قصة قصيرة: أمومة مفقودة

بشرى الخمسي

 

“لا بد و أن يحمل اليوم ذكرى ميلاد لأرواح جديدة..” .. “لا بد و أن يحمل اليوم ذكرى ميلاد  لأرواح جديدة..”

أحاول ترديد هذه الجملة كتراتيل على نفسي بين الفينة و شقيقتها، حتى  يهدأ هذا الارتجاف الذي لا يكاد يتوقف منذ وصولي للعيادة..

أشعر بالدم يتدفق في  عروقي كلما نادى الطبيب على اسم إحدى النسوة اللواتي أتأمل وجوههن على مضض، و اللواتي يشاركنني نفس القلق  و التوتر  و نفس الحلم أيضا، و هو أن يتحرك بأحشائنا كائن آخر… أن نحس بأول ركلاته في بطنوننا.. و نتلمس يديه الصغيرتين.. أن نشتم رائحته الفريدة.. و نرقب أول خطواته.. ونسمع أول حروف يتلعثم بها…

فجأة اخترق مسامعي صوت يردد “الحياة بلا أطفال… تخلو من الأمل”.. “الولاد نعمة..  و المرا بلا ولاد غير  نص مرا”…

هكذا رددت عجوز قاسية الملامح، خشنة الصوت، لسيدة بمقتبل العمر جالسة  قبالتي…..

لترد الأخيرة بصوت منكسر ضعيف: “كلشي فيد الله احماتي”.. يقاطعها الطبيب مناديا باسمها “فاطمة”.. فتقفز بجسمها متمتمة “يا رب  سمعني خبر الخير”..

دخلت غرفة الكشف .. و أغلقت الباب… ليعود الدم إلى التدفق في عروقي مجددا..

في حقيقة الأمر اعتدنا أنا و مثيلاتي على أقوال و مشاهد  و اتهامات  و نبرات عتاب، تخفي معان كثيرة في جوفها …

لكننا سئمنا من مجتمع  يتعامل على أن الأمومة طقس نتم به أنوثتنا.. و أننا بدونه أشباه نساء،  و يوجه لنا أصابع الاتهام  على أننا مذنبات و تهمتنا هي  عدم الإنجاب.. ثم ما الذي قد يقلق الناس بحمل المرأة أو عدمه.!؟

يهتز قلبي لسماع صرير الباب يفتح .. تخرج فاطمة و  علامات الرضا و البسمة تعلو محياها… غمرني الفرح لحظتها…

-يناديني الطبيب “مريم… دورك رجاء!”

لأنهض.. و  أتجه نحو الغرفة  و أنا أردد :

“لابد و أن يحمل اليوم ذكرى  خيبة لآمال عميقة ..! ”

لابد و أن يحمل اليوم ذكرى ميلاد لأرواح جديدة.! ”

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 7 = 3