نظرة مجملة عن ”رواية نور.. وحكاية مدينة” للحسن الغشتول.

المجلة المغربية للدراسات الإنسانية

 

لعل هذا العمل تطوير وتحوير للتوجه الفني والأسلوبي الذي اعتمده الكاتب في روايته الذهنية السابقة وهي الموسومة برحلة في آفاق المشرق والمغرب. ولقد آثر أن ينحو هذه المرة نحوا آخر، فالتزم بالشكل الروائي الذي يرصد لتفاصيل دقيقة مستمدة من واقع المجتمع المغربي. وهكذا اتخذ الكاتب في روايته هذه من أحياء مدينة تطوان القديمة بؤرة ينبثق منها الحكي الملون بالخيال، كما عايش أحوال شخصياته وهي ترتحل في فضاءات وأفنية معمارية مخصوصة. يقول مثلا في الصفحتين 12 و 13 من الرواية:

”لم يكن بين سيدي مصباح وباب الرموز حواجز أو مسافات تذكر، فالمسجد الجامع واحد، وهو جامع الخضراء.. والفرن والأصدقاء وعتبات الجيران و المسرح الوطني، والحديقة.. كلها مراتع للتواؤم.

تواطأت الحارتان لتسلبا مني شطرا عظيما من الحنين إلى مسقط رأسي بالباريو، فتحولت هذه النقطة إلى علامة غامضة في حياتي.

لم أستطع أن أتدبر سر حارات الباريو التي صنعها الاستعمار الإسباني. أستحضر دور المخزن، ومدرسة المغرب العربي التي التفت على جنباتها أساطير وخرافات عجيبة.

أحن في الباريو إلى مكان رحب خلف زقاق ضيق اسمه نورة القطيفة.. في بيت مألوف هُدَّت أقواسه وأسواره مرات عدة.. لكن كلما اقتحمته ألفيته نبضا تعجل بالسفر والاختفاء..”

ويقول أيضا في ص 90 :

”في النزل السفلي من سانية الرمل، تجرد الظل عن ظله.. والملمس عن ملمسه.. عشق خدره ولذَّ له ألا يصحو منه أبدا..

الوهم عربد وألمح إليه :

نفثت كل ذات سحر نفثها..

أهدت ضفائرها لعابر سبيل. بضحكة قصير مداها..

بضحكات مغناج تبارت عصائب حولها…

بارتماء العشاق عليها..

تهادت وتوارت في عباءة الليل الموحش.”

   ولقد تطرقت الرواية لحياة أسر مختلفة من بينها أسرة نزحت من نواحي القصر الكبير واندمجت في المجتمع التطواني.  

ولعل ولد الهادي في هذا المقام، هو الشخصية المحورية التي يدرك المتلقي عبر أحوالها واستيهاماتها منطق الترابط المتخفي وراء إيقاعية تروم الانفتاح على قيم الحب والتسامح و مشاعر الانتماء إلى الذات.

وتقوم الحبكة الفنية لهذا العمل على أساس مبدإ الصراع بين رغبتين، التعمير والبناء مقابل هدم والفناء.  وهذا ما يعكسه المقطع التالي الوارد في الصفحتين 91 و 92  :

”كيان مقيم.. بل أطراف يقوم بينها فراغ.. لملمناها مؤقتا.. من مروج الذكريات الموصولة، ومن سعار الحرب الثائرة لظى في الروح.. إلى ملجأ معماري صلف معد من أدراج رخامية بخطو يفتقد قصده ولا يستحضر جهته، وسطيح وسقوف ومصعد ونوافذ زجاجية مؤطرة بنمنمات جصية، خلفها ستر تحجب حيوات…

منها السوية الصحيحة، وأغلبها بلورية منكسرة.. لا تشرق فيها دورة الأيام.. يتشابه كل يوم مع آخر قبله أو بعده، في انفراده.. في افتقاده إلى أنسه، وحواره.. حتى حلاوة لغطه وعناده نعمة حرم منها..

تدرك نور أني لا أتكلم عن كل المقيمين، فمن الخطإ الجسيم أن أعمم وأنظر إلى الأشياء بمنظار أسود.

لكنها سوف تفهم يوما أني كنت أتحدث عن المنفردين.. سترهم لا تحجب شيئا.. فاضحة.. منكسرة معادنهم.. منفرطة عقودهم.. يسهل اختراقهم، ولا يصدر عنهم أهون موقف يدل على نوع من المقاومة.

هم شتى، لكنهم ليسوا على قلب رجل واحد.. فاترون، مغمسون بماء آسن.”

يعول السرد على شخصية نور لتعيد نسج الحكي وتطريزه بعد غياب والدها أحمد.. ولم يجد الكاتب بديلا عن بلاغة الشعر في جسد المحكي الفني، ليصبح الملفوظ الشعري للشاعر محمد الشيخي في خاتمة الحلم ركنا رئيسا ومفصليا بالنسبة للرواية.

فحكايات ولد الهادي ورمزية جنان أشعاش وحلم الفدائيين في رد كيد الاستعمار، ودموع الخيل التي انسكبت على أهداب الليل إثر موت رامي الرماة الذي حملت زوجته جسده المضرج بالدم.. تلك الحكايات لا تشاكلها سوى أحلام شاعر مكلوم :

مشرعة كل المرايا

هل ترى أزمنة تمشي

على سجادة الليل

مدنا تحكي؟…

وما حكاية الأمواج..

ما حكاية الجرح العنيد؟

ألق رؤياك على دهشة الليل

أو خاتمة الحلم التي

تأتي.. ولا تأتي !

محمد الشيخي/ من فاتحة الشمس

يتحدث د. عبد الجواد الخنيفي عن هذه الرواية قائلا :

    الكاتب الحسن الغشتول في عمله هذا، يقف بنا عبر عديد التّفاصيل الدّقيقة بين الهويّة والحضارة والمعمار والعادات وتفاعل الأسر والحارات حاضنة المثل النّبيلة… وغيرها من الدّلالات التي تزيد من تعميق الدّافع الإنساني وقيم الخير والتآزر والتّلاحم .. 

   هكذا تسترسل خيوط الرواية نحو المزيد من الاتّساع ، بقدرة وبراعة وبغنى في الحسّ والمخيّلة ، جاعلة من الشّخصيات في سياقات مختلفة ووفق مهارات كاشفة ، تتداخل في فضاءات وأفنية مخصوصة، تجد فيها مؤشّرات وتجارب وتجلّيات ومسارات وعوالم وأحلام، تتوالد وتتصاعد ضمن سرد يبني لحظته الفاعلة والمؤثّرة ..

 ويضيف الأستاذ الخنيفي :  

في هذا المزيج الإبداعي الفاعل والمتواتر، يمكن التّأكيد، أنّ العمل يبقى موصولا بالتّاريخ، ومما يدل على هذا استعانته ببعض الوثائق التاريخية وذلك مما يجعل الرواية جزءا من الذاكرة الجماعية.

وقد استعمل السّارد طرقاً فنية وأسلوبية جديدة، تقوم على مبدإ توليد الحكي عن طريق استثمار التداعيات التي تقرّب العمل إلى صنف الرواية السيكولوجية.

     وفي الأخير نستطيع القول ـ يقول عبد الجواد الخنيفي ـ بأن طريقة التنسيق والتوليف ارتكزت بالدرجة الأولى على خاصية فنية أسلوبية مجازية تمثلت على الخصوص في توظيف تقنيات التكثيف الاستعاري والتوليد التخييلي. وبهذا تكون الرواية قد شكّلت مساراً مختلفاً في كتابات المبدع الحسن الغشتول وفي قدراته التّعبيريّة الفذّة.

 

 

صدرت هذه الرواية عن مكتبة سلمى الثقافية. مطبعة الخليج العربي. تطوان. 2022.

وقام برسم صورة الغلاف الفنان التشكيلي محمد العمراني

 

 

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


5 + 4 =