غزة: تجليات بشاعة المستقبل

الدكتور عبداللطيف قليش: باحث في القانون

 

لم يعد الوضع في غزة يطاق أمام الجرائم البشعة ،جرائم الاغتيالات والتدمير والتجويع ،صور أطفال تتناقلها وسائل وقنوات الإعلام في حالة احتضار،في حالة موت غير طبيعي وغير إنساني ،إنها مجزرة ،إنه تقتيل بربري …أمام بشاعة مايقع يحق أن نتساءل ،ماجدوى المؤسسات الدولية ؟ما جدوى القانون الدولي ؟ماجدوى الدول ؟ماجدوى الدساتير ؟ ماجدوى الأحزاب ؟ ماجدوى النقابات ؟ماجدوى المنظمات الحقوقية والمدنية ؟ماجدوى البرلمانات ؟ ماجدوى الحكومات؟ ماجدوى الانتخابات ؟ماجدوى التظاهرات والمسيرات ؟ما جدوى الخطب ؟ ماجدوى الكتابة ؟ماجدوى الإعلام ؟ماجدوى الإبداع ؟ماجدوى كل ذلك إذا كانت الجرائم ترتكب يوميا في الدقائق والثواني ،والكل في حالة عجز لمواجهة وردع الجرائم الصهيونية. هل يحق لنا الوجود والعيش ؟ هل يحق لنا الفرح ؟ هل يحق لنا النوم ؟هل يحق لنا الاستجمام ؟مايجري عنوان لانهيار مرحلة ،وانهيار منظومات، العالم يعاد صياغته ،الإنسان يعاد صياغته، أحلام جديدة تحل محل الأحلام القديمة .

قد يشعر فيه البعض بالغربة. قد يشعر فيه المتشبثون بالمبادئ والقيم الإنسانية أنهم بقايا زمن ما أمام طغيان ثقافة الرأسمالية المتوحشة ،والثقافة الفردانية.فقد تحول العالم إلى سوق ،مكوناته مجرد سلع تباع وتشترى ،بات النبل مجرد وهم ، والأحلام سيزيفية ،قد يقول قائل أن اليأس جزء من الاختراق،والإحباط من تجليات الاستسلام . إن الأمل ليس مصطلحا للتداول والتسويق ،الأمل ليس مصطلحا للتنفيس ،ولامصطلحا لإثبات الوجود وتسجيل الموقف . الواقع مر وعنيد. ولربما لغة المجاز تستفز العقل والوجدان لعلنا ندرك حجم المآسي ،وحجم الانهيار ،وحجم بشاعة المستقبل الذي يصنع اليوم في غزة وفي الشرق الأوسط، ويصنع هنا وهناك .إنها جغرافية جديدة بأنساق جديدة ،وبمفاهيم جديدة ،وأذواق جديدة ،وتمثلات جديدة.

فهل ندرك فعلا إلى أين يسير العالم ؟ وهل طريقة التعاطي مع مايقع مازالت لها معنى ؟ واقع القضية الفلسطينية وتطوراتها منطلق لإعادة التفكير وللقيام بالمراجعات ،وإعادة صياغة أسئلة جديدة في عالم متحول . الحاجة ملحة إلى إعادة قراءة التاريخ عموما والتاريخ المعاصر خصوصا،وربطه بالتاريخ الموروث ،والنبش في بنياته العميقة. فهم الأحداث وأبعادها لاتفسر بعوامل لحظتها الزمنية،إن مبدأ “وحدة الزمان” بما يعني من تراكم والربط الدياكروني للتفاصيل والجزئيات ووضعها في كليتها،والتحليل الجدلي مع إدماج مفهومي “اللايقين واللامتوقع”،سيكون مفيدا من الناحية المنهجية.

إن المحطات الكبرى (الثورات- الانتفاضات-تحطم جدار برلين -اتفاق أوسلو-” الربيع العربي” …)،لربما لم تنل ماتستحق من التحليل . تستوجب اللحظة إعمال النقد المزدوج بلغة الراحل عبدالكبير الخطيبي ،نقد الذات ونقد الآخر وتشريحها ضرورة تاريخية لفهم ماجرى ويجري ،والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 41 = 45