تقديم كتاب الإسلام والغرب وسؤال التعايش ” المبادئ والمرتكزات والمنزلقات” ، للدكتور يوسف القضاوي

بقلم محسن الدكني

 

تعد قضية التعايش بين الشعوب والأمم والحضارات بشكل عام من القضايا المستعصية، نظرا لتأثيرها الكبير في الواقع الإنساني، وتعد علاقة الإسلام بالغرب تحديدا من أهمها، وهو ما جلب اهتمام المفكرين من الشرق والغرب، ونظرا لاختلاف الاتجاهات تعددت الدراسات إلى حد التناقض، ويمكن القول بأن القليل منها من تناولها بشكل منصف، وقد ساهم الدكتور يوسف القضاوي بدوره في هذه القضية، محاولا تقصي المبادئ والمرتكزات التي يمكن بواسطتها تحقق التعايش السلمي بين المسلمين والغربيين، محذرا من بعض المنزلقات التي قد تجر في كثير من الأحيان إلى الصراعات والحروب. وسأقتصر في ورقتي هاته على إبراز جدة وجودة هذا المؤلف من خلال وضعه في ميزان المعايير الأكاديمية، فمن أهم معايير جودة البحث العلمي، نجد:

الإشكال

أول سؤال يطرح حول الكتاب: هل الإشكال واضح؟ وهل تمت الإجابة عنه؟

قدم الباحث في مقدمة كتابه ثلاث أسئلة رئيسية نجد لها حضورا بارزا في عنوان الكتاب، وهي على التوالي:

ما هي أهم المبادئ التي انبنى عليها خلق التعايش بين الفرقاء في الحضارتين الغربية والإسلامية؟

وما هي الأرضية التي تأسست عليها قيمة التعايش بعد أن استشرى الصدام والصراع بينهما منذ التماس الأول؟

وما العوائق والمنزلقات التي ينبغي تجاوزها لتحقيق التواصل والتعارف والتعاون والتكامل؟

وقد أجاب عنها الكاتب في ثلاثة فصول، لكن هناك ملاحظة حول الأسئلة، فكما هو معلوم أن السؤال أهم من الجواب حسب تعبير كارل ياسبرز، لذلك يمكن أن نتساءل، هل هذه الأسئلة هي فعلا إشكالات أم هي أسئلة تندرج ضمن إشكال أكبر المعروف عند مدرسي الفلسفة في مجزوءة الوضع البشري، مفهوم الشخص وبالضبط في علاقته بالغير، والذي  يمكن أن نعبر عنه بالصيغة التالية: ما علاقة الإسلام بالغرب؟ هل هي علاقة صداقة أم غرابة؟ هل هي علاقة تعاون أم صراع؟ وهنا يطرح السؤال: هل يوجد جواب عن هذا الإشكال في ثنايا الكتاب؟

من خلال تصفحي للكتاب وجدت الإجابة بينة، خصوصا في الفصل الثالث حين تحدث الكاتب عن المنزلقات التي يجب تجنبها لتحقيق مجتمع إنساني تسوده المحبة، وقد عبر عن موقفه من هذه العلاقة بقوله: “مارست الكثير من الدول الغربية الوصاية على الشعوب المختلفة عنها، فاستعبدت أهلها ونهبت ثرواته، في الوقت الذي تدعي فيه أنها تدافع عن مبادئ الديمقراطية وحقوق المرأة والأقليات، ذلك أن الغرب مسكون بفلسفة الهيمنة والرغبة في إلحاق الآخر به حضاريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا” (ص158)، لقد بين الكاتب بأن واقع حال الدول الغربية يكذب كل الشعارات التي يرفعها في والمؤتمرات والمنتديات وفي وسائل الإعلام وغيرها، وفي هذا بيان بأن العلاقة بين المسلمين والغربيين عبر التاريخ هي علاقة صراع دائم، لكن هذا لم يمنع الكاتب من الغوص في كتب الغرب والتنقيب عن منصفين حاولوا مد جسور الود بين الحضارتين الغربية والإسلامية.

الجديد في هذا الكتاب

حين أخذت الكتاب وتصفحته أثارني موضوعه لأهميته وراهنيته، خصوصا ونحن نعيش اليوم طوفان الأقصى الذي عرى حقيقة الغرب في ازدواجية معاييره عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يعطي انطباعا بأن التعايش بين الحضارتين ضربا من المستحيل، وأنا هنا لن أتحدث عن ما قدمه الباحث حول هذا الموضوع، وسأترككم مع الكتاب لأنه أجاد وأفاد في هذه القضية بالذات، لكني أردت معرفة الجديد الذي قدمه في هذه القضية بالذات، قضية التعايش بين الحضارتين الغربية والإسلامية، لذلك حاولت تقصي الدراسات السابقة ومقارنتها مع ما قدمه الباحث، وإليكم في عجالة خلاصة رأيي في الموضوع:

هناك العديد من الدراسات التي قاربت هذا الموضوع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

كتاب تعايش الثقافات: مشروع مضاد لهنتنغتون لهارالد موللر

وكتاب المسلمون والأوربيون نحو أسلوب افضل للتعايش، للخزندار سامي

كتاب تخيل التعايش معا، تجديد الإنسانية بعد الصراع الاثني العنيف لإغناتيف مايكلن

كتاب الإسلام والغرب للأمير تشارلز

كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيجوفيتش

لكن الملاحظ على هذه الدراسات عموما أنها إما قدمت رؤية عامة لعلاقات الحضارات الإنسانية مع بعضها، بحثا عن بديل لمقولة صدام الحضارات التي أطلقها هنتنغتون، أو عرضت معلومات من شأنها أن تساعد في تشكيل الدورات والبرامج التي توضع لإعادة بناء المجتمعات التي مزقتها الحروب، وتضعها على طريق السلام والمصالحة، أو دعت لتجاوز الصراعات ونبذ الخلافات، أو بينت إخفاق الايديولوجيات الكبری في العالم التي جعلت نظرتها إلى الإنسان والحياة نظرة أحادية الجانب وشطرت العالم شطرين متصادمين بين مادية ملحدة وكاثوليكية مغرقة في الأسرار.

أما كتاب الإسلام والغرب وسؤال التعايش (المبادئ والمرتكزات والمنزلقات) للدكتور يوسف القضاوي، فيعد إضافة نوعية لسابقيه، حيث قدم فيه قراءة استشرافية لمستقبل آمن، استدعى فيه الكاتب مواقف مفكري الغرب والإسلام، بأسلوب حيادي منصف، هدفه بعث الأمل لتأسيس عمران حضاري، من خلال التوصل إلى صيغة وفاق كوني قوامه العدل والحرية والكرامة.

3-المصادر والمراجع

بالعودة إلى لائحة المصادر والمراجع التي فاق عددها 240، يمكن تسجيل ملاحظات أبرزها تنوعها على مستوى اللغة والمجالات:

بالنسبة للغة، فبالإضافة إلى المصادر العربية اعتمد المؤلف مصادر أجنبية باللغتين الفرنسية والإنجليزية وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مصداقية البحث وأصالته، من خلال العودة إلى الأصول لا إلى الترجمات التي في كثير من الأحيان قد تفسد المعنى.

أما المجالات التي تندرج في إطارها هذه المراجع فمتعددة بتعدد المباحث والفصول، فبالإضافة إلى المعاجم، نجد كتب الحديث والسيرة والتفسير والفقه وأصوله، والتاريخ والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والقانون. هذا التنوع أكسب الكتاب قيمة علمية لا يمكن التغافل عنها.

كما يحسب للباحث أيضا أنه عاد إلى المصادر الأصلية، لأن الاعتماد على الأقوال من خلال الدراسات الثانوية كثيرا ما يسقط الباحث في الغلط.

إن إصدار حكم قيمة على أي عمل إبداعي عادة ما يخضع لمعايير تمحص جدته وجودته، واقتصرت في قراءتي هاته على الإشكال والجديد الذي قدمه هذا الكتاب، وعلى المصادر والمراجع المعتمدة، وإلا فهناك معايير أخرى لا تقل أهمية، من بينها العنوان ومدى ملاءمته لمضامين الفصول الثلاثة، وسلامة اللغة، واحترام علامات الترقيم، والإحالات، وجودة المضامين وغيرها مما له علاقة بجودة كل بحث أكاديمي. والظاهر أن الكاتب كان موفقا في ذلك، مما أكسب الكتاب قيمة علمية وإضافة نوعية للمكتبة الفكرية.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


60 − 51 =