المجلة المغربية للدراسات الإنسانية

في سياق مشروعه الروائي النوعي، صدرت للأستاذ حبيبي عبدالإله رواية ثالثة بعنوان” سيرة الجندي المجهول” بدعم من، حيث قامت مكتبة سلمى الثقافية بتطوان بطبعها ونشرها . للتذكير فقد أصدرت نفس المؤسسة، أي مكتبة سلمى الثقافية للروائي حبيبي عبدالإله روايتين، الأولى سنة 2011 موسومة ب “بيُّوس أو طفل الحكمة والطقوس”، والثانية سنة 2016 بعنوان” نحيب الأزقة”.
الرواية الجديدة” سيرة الجندي المجهول” سرد لسيرة جندي مغربي خلال الحرب العالمية الأولى، كتابة عن تاريخ هامشي، عن الحرب، الاستعمار، تجنيد الشباب المغربي للزج بهم في الحروب، استعادة صورة المغرب في بداية القرن العشرين، أو سيرة بلد عشية استعماره، وبداية حرب لن ينجو منها المغاربة. تحكي الرواية عن شخصية البطل عبدالله الذي هو تكثيف لملامح جيل من الشباب المغربي المنسي، شباب عاش ظروفا استثنائية، طبعها الحرمان والظلم والفقر والمجاعات والأوبئة، جيل وجد نفسه بين الموت بؤسا على ضفاف وديان جافة، أو الرحيل نحو جبهة الحرب للقاء الموت برصاص الغربة.
ترسم رواية “سيرة الجندي المجهول” للأستاذ حبيبي عبدالإله أحداثا من رماد الحرب وفوران الحب، حيث يسير الحكي في خطين متوازيين، خط يرسمه الجندي عبدالله وهو يعبر عمره، وبلده، ليجد نفسه في جبهة الحرب، وخط آخر تؤثثه لقاءات الحب، تمثلها الشابة الفرنسية ميشيل، التي ستظل تبحث عن البطل في كل الأمكنة لاسترجاعه من الحرب، أو انتشاله من الموت، مع رغبة عارمة في الاحتفال معه بالحب والانتصار على كل الحدود والموانع، وبهذا الشكل تمسي الرواية حديثا رومانسيا عن لحظات خفية وهامسة من وراء البنادق والخنادق والموت.
يعود البطل بعد معاناة كثيرة ومحاكمات عسكرية مريرة إلى الوطن، تحكي الرواية عن تحول بعض العائدين من الحرب إلى زعماء للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، تقوم السلطات بنفي البطل من جديد، تلقي به في أعالي الجبال الباردة صيفا وشتاء، تكلفه بمراقبة الغابات، حيث أنها كانت تراهن على التخلص منه بتحريض رجال القبائل الثائرة ضده… هكذا تستمر الرواية في نقل القارئ إلى أجواء المقاومة الجبلية المسلحة بالجبال الأطلسية المغربية، حيث يقوم الكاتب بتوفير الأحداث والأماكن والشخوص الذين سيؤثثون هذه المشاهد، ضمن أسلوب تشويقي يتوسل تارة بالحوار، وتارة بالحكي الخفيف، راسما أفقا غير متوقعا، وناسجا التواءات سردية يطغى عليها عنصر المفاجأة والمشهدية، مما يقرب النص من نمط الكتابة التشكيلية أو التصويرية، حيث تحضر الوقائع بتفاصيلها وكأنها شريط مصور.
رواية سيرة الجندي المجهول، مغامرة جديدة في المسار الروائي للأستاذ حبيبي عبدالإله، تمتح عناصرها السردية من التاريخ والذاكرة والتخييل، لكن أهم ما يميزها هو حضور الفكر الفلسفي الذي يشكل دوما نبضا مميزا يعلن صوته ولغته في كل نصوص الروائي حبيبي عبدالإله… وباستحضار الروايات السابقة والحالية، نجد أنه لا يمكن للسرد وحده أن يهيمن دون أن يفسح المجال للسؤال، والفكرة، والومضة النقدية، وهي سمة لم تغب عن النص الحالي الذي ورغم أنه غني بالحوارات، فقد كان يفتح أقواسا فلسفية تتعلق بأسئلة الحياة والوجود والمصير والحرية… رواية “سيرة الجندي المجهول” تستحق القراءة ومتعة الاكتشاف…


قم بكتابة اول تعليق