حسن المودن يكشف عن هذا التكريم:

التفاتة كريمة من بلدتي الأصلية: آيت داود، جنوب مدينة الصويرة..قرية جبلية أمازيغية، كانت في طفولتنا غنية بمياهها وشلالاتها، بغاباتها وأشجارها المتنوعة، بصخورها الضخمة وتضاريسها الوعرة… لكنها ظلت دومًا ثرية بأهلها: بكرمهم وطيبوبتهم، بقيمهم الأصلية الأصيلة…كثيرًا ما تساءلتُ بعد أن غادرتُ بلدتي إلى المدن الأخرى: ألا يزال ذلك البدويُّ الأصيلُ حيًّا بداخلي؟
في بلدتي تعلمتُ القراءة والكتابة، والمطالعة الحرة كانت الشغل الشاغل في فصول الصيف.. يعود الفضل في هذا كله إلى أبي المعلّم رحمه الله، وإلى أمّي المتعلّمة أطال الله في عمرها… ولكن الفضل يعود كذلك إلى أهل البلدة وموظفيها: كان الكثيرون يمدّونني، مشكورين، بالكتب والمؤلفات والمجلات: سي الحسن أرخا اشترى لي أول كتاب في حياتي المدرسية( منجد الطلاب للعربية)؛ وتعلّمنا العربية على أصولها على يد المرحوم سي احمد المناني، وهو خرّيج المعهد الإسلامي بتارودانت، وكان يضع مكتبته العربية الضخمة رهن إشارة تلامذته؛ والحاج فريادي( الحاج أبوسطي) جعلني أقرأ العشرات من الروايات البوليسية باللغة الفرنسية؛ والمعلم سي الحسن بوتخريز كان يغرقني بأعداد من مجلة العربي وبموسوعات في المعارف موجهة للطلاب؛ وموظفون في التعليم والفلاحة والداخلية اكتشفت معهم روايات وقصصا عربية وفرنسية لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس والمنفلوطي وبنت الشاطيء وإميل زولا وبلزاك..الموظف المغربي وقتئذ كان يقرأ الأدب ويطالع المجلات ويواكب الجديد في العلوم…وتخصصاتي العلمية وميولاتي الأدبية يعود الفضل فيها إلى موظفي البلدة وأهلها الذين كانوا يمنحون العلم والتعليم مكانة كبيرة في حياتهم وحياة أبنائهم…وتاريخ البلدة معروف، وهي بمدارسها الدينية والقرآنية مشهورة تاريخيًّا، وكان لها دور في حياتنا نحن أبناء هذا العصر…
وكانت عائلتي الصغيرة والكبيرة تحتفل بنجاحاتنا كل سنة…ولا يمكن أن أنسى خالي بيهي، خال الوالد بتكسوين، الرجل الكريم الطيب، وخالتي ممّاس، المرأة الكريمة ذات القلب الكبير، وأبناءهما الكرام ، يهنئونني ويأتون أهلي بذبيحة كلما حصلت على شهادة مدرسية أو جامعية..
وهل يمكن أن أنسى الدعم المتواصل من أصدقاء من الأجيال السابقة: سي عبد الله بوعرفة كان دعمه لي غير محدود وأنا طالب جامعي بطموحات مستحيلة، وسي أحمد ألحيان ظلّ يدعمني في مساري الجامعي … وكل ذلك، لأن الأفواج السابقة من طلبة البلدة وموظفيها كانت تساند الأفواج اللاحقة…وللأسف نحن لم نحافظ على هذه القيم: قيم التعاون والتضامن بين أبناء البلد، وهي قيم أصيلة وأصلية في تربتنا المغربية…
أهل بلدتي الكرماء الطيبين…ألف الف شكر…لا يمكن للعبارات أن تقول كل ما فعلتموه من أجل أبنائكم…وحدها العَبَرات تملأ الآن عيون القلب..
تشكراتي للأجيال اللاحقة التي بادرت إلى تكريم الأجيال السابقة في شخصي المتواضع…تشكراتي الحارة إلى مجلس البلدة الجماعي، إلى السيد المحترم رئيس المجلس سي محمد أرخا والسادة الأعضاء والموظفين المحترمين….شكري الجزيل إلى كل من فكّر أو نظّم أو ساعد على تحقيق هذه المبادرة الكريمة…خالص الامتنان للأهل والأحباب والأصدقاء…


قم بكتابة اول تعليق