الشعر والشعراء والنقاد

باسـم فـرات:
تؤدي كتابات النقّاد دورًا بارزًا في تشكّل وعينا الثقافي، وفيما يخص الشعر، فكتابات النقاد والشعراء عن الشعراء الشباب، لها دورها الكبير في لفت انتباه القُـرّاء، وإن كانت سلاحًا ذا حدّين، لأن التبشير بالشعراء الشباب والثناء على تجاربهم الغضّة، أدّى إلى تضخم الأنا عند غالبيتهم العظمى، وهذا قاد إلى أن يركن الشعراء إلى الدعة والثقة المطلقة السلبية، فغادرهم القلق الذي حين يغادر المبدع، يأخذ معه الإبداع.
الشعراء والنقاد هم الذين يضعون أصابعهم على الشعر الجيد، هم أفضل – بوصفهم قُرّاء محترفين – مَن يُـعرّفنا نحن القراء، بالشعراء الجيدين، ولا يعني أن هذا الكلام، كلامًا مطلقًا، فلا أحد يمكنه حذف الاجتماعي وغير الشعري، من كثير من مدائح قيلت بحق شعراء لا يستحقونها، ولكن حين نعلم أن ما بين مئات الشعراء يبرز بضعة فقط، ولنا بالذين ولدوا في النصف الأول من القَرن العشرين أمثلة ناصعة، كم شاعرًا يمكننا أن نقف متأملين تجربته، ونقول تعلمنا منها؟
بكل تأكيد أن كثيرًا من الشعراء الشباب الذين اثنى على تجاربهم الشعراء الأكثر تجربة والأقدم في مجال الكتابة والنشر، أي الأكبر عمرًا، والنقاد، تباهوا وأضاعوا شاعريتهم وإبداعهم بالغرور والنرجسية، والثقة العمياء، والإيمان المطلق بأنهم شعراء من الطراز الأول، وليس لدينا في الشعر العربي سوى نموذج “محمود درويش” الذي صرخ بوجه الحفاوة غير المبررة، بوجه الحب القاتل للإبداع صرخته الشهيرة التي أثبتت أن قائلها يعي خطورة “الحب القاسي”، فحين صرخ درويش: “انقذونا من هذا الحب القاسي” ( عنوان مقال نشره في مجلة “الطليعة” عام 1968 ميلادية) هذا الحب الذي تسبب بتحويل عشرات إن لم يكن مئات من الشعراء الفلسطينيين إلى نسخ مكررة، بينما صاحب المقولة الخالدة، أصبح أحد أهم شعراء العربية بعد ذلك، ولم يتوقف تطوره عند سن الأربعين كما غالبية الشعراء، بل استمر بعد أن عبر الخمسين من العمر بسنوات متوّجًا مسيرته بديوانه الرائع “لماذا تركت الحصان وحيدًا”، وما جاء بعده، وحين تلتفت خلف محمود درويش، فستجد أن أقرب شاعر فلسطيني – من الذين وُلدوا قبل منتصف القَرن العشرين – متأخر عنه بأميال شعرية.
لا يُلام النقّاد والشعراء، على حفاوتهم بمن يأملون منه أن يطور أدواته بالقراءة والبحث والتأمل والتجربة، فلا تُلام الحرية، حين يحمل بعضهم سلاحه ويستخدمه بقتل الأبرياء، إنما هو دافع الضمير وإبراز المشاريع الجمالية عند المبدعين، ولو أجرينا إحصاءً دقيقًا، لوجدنا أن غالبية القًـرّاء، اهتدوا إلى متابعة شعراء ومبدعين قرأوا عنهم، بل إن النصوص النقدية، أظهرت جماليات التفرد في النص الإبداعي، أو العمل الإبداعي مثل الشريط السينمائي واللوحة التشكيلية والمسرحية، وسواها من الفنون.
هناك عدد كبير من الشعراء تعرفت عليهم من خلال البحث، لكن أعدادًا أخرى عرفني عليهم مَن يكبرونني سـنًّا، إن كان اكتشافي لهم مباشرة من خلال الشعراء والأدباء الذين زاملتهم، أو من خلال كتبهم ومقالاتهم ومنشوراتهم، وبفضل النّقّاد حاتم الصكَر وفاضل ثامر ومحمد الجزائري ومحمد النويهي ووفيق خنسة وعشرات غيرهم، رحت أبحث في مكتبات مدينتي ومكتبات بغداد وبقية المدن، عن دواوين الشعراء الذين درسهم أو ذكرهم هؤلاء النقّاد. وكانت الحصيلة أنني استطعت قراءة روائع الشعر العربي وما تم ترجمته للغة العربية من اللغات الأخرى.
ولدور هؤلاء النقاد، صرتُ أرفض الانتقاص من أي تجربة شعرية مهما كانت، وأما التجارب الشعرية التي أثنوا عليها فحين لا تدهشني، أقول عنها: ليست قريبة من ذائقتي، لأن الحط منها والإساءة إليها، إساءة لجميع مَن كتب عنها وتناولها، لا سيما الذين كتبوا بدوافع شعرية محضة. فضلًا عن إيماني أن النّقّادَ لديهم رؤيتهم النقدية في النص الشعري، رؤية تختلف حتمًا عن رؤية الشاعر، لأن الشاعر عادة يُركّز على ما يدهشه في النص الشعري ويحفّزه لكتابة شعرية جديدة، وهذا ما لا يخطر ببال الناقد، ولهذا يحدث التقاطع بين رؤية الشاعر ورؤية الناقد للنص الشعري.
إن احترامي للتجارب الشعرية كافة، لا يمنع من أن يكون منسوب التوقع عندي عاليًا للشعراء المصابين بتضخم الأنا العالية، والنرجسية، فكم أحببت شعر شعراء، لكنهم حين تحدثوا بخيلاء عن أنفسهم وتجاربهم الشعرية أمامي، شعرت أنهم يفرضون علي ارتفاع مستوى التلقي، والتوقع لديّ، مما لا يتلاءم مع ما هم عليه، فارتفعت ذائقتي كثيرًا على شعرهم، ولم أعد أرى فيما يكتبونه يستحق ما هم عليه من غرور ونرجسية واستعلاء وإلغاء وإقصاء للآخرين، وعادة، هؤلاء ينزعجون من سماع ثناء على تجارب شعرية غير تجاربهم، وكأنها إساءة لهم، فهم مركز الكون، يجب أن يتوجّه كل كلام حسن، وكل ثناء وكل مديح وكل اهتمام، لهم، ولهم فقط.
لا شكّ، أن بعض النقّاد أسهم من حيث يدري، أو لا يدري، في تضخّم “الأنا” عند هؤلاء، لكن عذرهم أنهم يشتغلون على تنمية وإظهار الروح الجمالية في كل قول.
حين بدأت الاحتكاك بالشعراء بخاصة، والمثقفين بعامة، ولمست ما عليه بعضهم من نرجسية مفرطة، خَشيتُ أن أصاب بما أصيبوا، بعد أن أحقق حضورًا طيبًا، وتتناول أقلام النقّاد والشعراء تجربتي الشعرية المتواضعة، فوجدت الحل بالسيّاب والمتنبي، وبقية الشعراء الذين غيروا مسار الشعرية في ثقافاتهم، أو أولئك الشعراء الذين غادرونا مبكرين، وما زال شعرهم خالدًا بيننا ونتعلم منه؛ فكلما أشعر في داخلي بزهو ما، وقبل أن “أتقيّأه” على الناس، أخاطب نفسي: مَن أنت أمام مَن غَيَّر الشعر العربي وهو طالب جامعي، دون الثانية والعشرين من العمر؟ وأعني به السياب، مَن أنتَ أمام المتنبي، ويكفيه فخرًا أنه المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس؟ أو طَرَفَة بن العبد، ابن الخامسة والعشرين وغادرنا لتبقى قصيدته حتى بعد مرور خمسة عشر قَرنًا، زاهية بجماليتها؛ أو الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي لم يكمل عامه السادس والعشرين، أو الشاعر الفرنسي “آرثر رامبو” الذي غادرنا وهو ابن السابعة والثلاثين، لكنه أنجز نصوصه المهمة وهو دون العشرين، بعدها ترك الشعر، وغيرهم من شعراء لهم بصمتهم المهمة في الشعريتين العربية والأجنبية.
هؤلاء الكبار، أضعهم في وعيي دائمًا، كي لا أفرط بنرجسية لا أستحقها، نرجسية تلهيني عن مشروعي الشعري، الذي يحتاج إلى الحفر المتواصل، لأن المشاريع الجمالية، يقتلها القبح، والنرجسية والغرور والاستعلاء والإقصاء قبح ينمو ويتطاول حتى يزيح “الجماليّ”. “إن حياة واحدة لا تكفي للشعر”، كما أخبرني مرة الشاعر “سَركَون بولص” قبل رحيله المفجع بعامين، لذلك من العبث تضييعها بما لا يخدم الشعر؛ والحقيقيّ ناقدًا وشاعرًا وقارئًا محترفًا، سيعلق القصيدة التي استوفت شروطها الجمالية، وقادته للدهشة، تميمةً أو راية يستدل عليها الجميع.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 9 = 16