الهاشمي الهشتوكي وتجديد النص الرحلي

أحمد النية

نظمت “الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة”، لقاء نقديا حول موضوع “فرنسا بعيون كاتب مخزني”، وذلك يوم الأربعاء 7 أبريل 2021، في السابعة والنصف مساء، على منصة التواصل “غوغل مِيت”. سلّطت فيه الضوء على نص من النصوص الرحلية المغربية، وهو “رحلة إلى فرنسا مع السلطان المولى يوسف قصد تدشين مسجد باريس 1926” من تأليف الكاتب المخزني الهاشمي الناصري الهشتوكي وتحقيق الأستاذ مصطفى الغاشي.

سيّر هذا اللقاء الأستاذ خالد السرتي الذي ركز على خصوصية وأهمية هذا النوع من الكتابة على مستوى البحث التاريخي والديبلوماسي خلال تلك المرحلة من تاريخ المغرب، في سياق علاقات مع دول أوربية تتجاذبها مصالح اقتصادية وسياسية. وأكد الأستاذ أن النص الرحلي يفرض نفسه على الباحثين في شتى الحقول المعرفية من تاريخ وسوسيولوجيا وأنتربولوجيا ودراسات أدبية؛ نظرا للأهمية التي كان يحظى بها – وما يزال- في الثقافة العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص.

كانت المداخلة الأولى للأستاذ نور الدين فردي بعنوان: “رؤية رجل المخزن من خلال رحلة لبلاد الآخر”، أشار خلالها المتدخل إلى عمل الأستاذ الباحث عبد الله الغاشي على إخراج رحلة لرجال المخزن الى بلد فرنسا سنة 1926، في عمل متميز قام بتحقيقه، والذي أصبح في متناول الباحثين من مشارب معرفية مختلفة. والرحلة عبارة عن زيارة لوفد من ممثلي المخزن من مناطق مختلفة، ومن خلال الأسماء التي وردت على لسان كاتب الرحلة الهاشمي الناصري الهشتوكي، يتبين أنها كانت لها مساهمة في تسهيل سيطرة فرنسا على دواليب الأمور في المغرب. ورغم أن الهشتوكي كتب رحلته بلغة بسيطة تميل أحيانا إلى الدارجة، إلا أن ما كتبه حمل بين سطوره معلومات مهمة حول جوانب مرتبطة بالسياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري… كما خلّفت الرحلة التي لم تدم أكثر من شهر معلومات للمختصين في التاريخ وعلم الاجتماع والأدب، من خلال المعطيات التي دوّنها الهشتوكي حول الشخصيات المكونة للوفد، وطريقة سفره، والوسائل المستعملة في التنقل، والوصف الدقيق للمجال الجغرافي من فضاءات وبنايات ومساحات فلاحية، وطرق استغلال القطاعات الاقتصادية، كما أمكننا من خلال هذه الرحلة التعرف على مواقف رجال المخزن من إدارة الحماية، من خلال الزيارات التي قاموا بها للقيادات العسكرية الفرنسية التي غادرت المغرب، وعلى رأسها المرشال ليوطي.

أبرزت الرحلة الاصطدام العنيف بين حضارتين مختلفتين، من خلال نظرة الهشتوكي لمختلف مناحي الحياة بفرنسا، حيث ظل منبهرا بطرق اشتغال وسائل النقل، وطرق استغلال المجالات الفلاحية، والفضاءات التي قام بزيارتها رفقة الوفد المرافق له .

كان عنوان ثاني المداخلات: “رحلة الهاشمي الناصري الهشتوكي إلى فرنسا سنة 1926م، إضاءات نقدية على السياق والمضامين” استهلها الاستاذ محمد الأندلسي بوضْع الرحلة في سياقها، مؤكدا أنّ حدث افتتاح المعهد الإسلامي وتدشين المسجد الجامع بقلب العاصمة الفرنسية باريس سنة 1926م، شكّل فرصة تاريخية بالنسبة لفرنسا للتأكيد على مثانة الروابط التي تجمعها بالعالم الإسلامي بشكل عام والبلدان الإسلامية التي تستعمرها بشكل خاص، حيث وظفت فرنسا هذا الحدث لإظهار التحول الذي عرفته سياستها الخارجية اتجاه العالم الإسلامي، في إطار الاتحاد الفرنسي – الإسلامي، ودور فرنسا في ترسيخ مبدأ حرية الاعتقاد واحترام المعتقدات الأخرى وتعايُش الأديان، والاعتراف بتضحيات المسلمين في سبيل نصرة فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. ومن جهة ثانية يعكس الحدث الدور الذي اضطلع به سلطان المغرب الأقصى باعتباره أميرا للمؤمنين في رعاية الشؤون الدينية لمسلمي المهجر وخاصة مسلمي فرنسا.

وقد وثق بعض الرحالة المغاربة الذين كانوا ضمن وفود الأعيان المغربية التي رافقت السلطان مولاي يوسف للمشاركة في الاحتفال بهذا الافتتاح والتدشين، تفاصيل رحلاتهم إلى فرنسا، وسجلوا مشاهداتهم وانطباعاتهم ومواقفهم من الحضارة الفرنسية، فتركوا لنا نصوصا رحلية غية، كالفقيه أحمد بن الحاج العياشي السكيرج والفقيه محمد البزيوي ومحمد بن الحسن الدباغ، فضلا عن الكاتب الحاج الهاشمي الناصري الهشتوكي.

كما سلّط الأستاذ محمد الأندلسي الأضواء على حيثيات السياق التاريخي المرتبط ببناء مسجد باريس ثم تدشينه سنة 1926م، وتقديم قراءة نقدية لمضامين رحلة الهاشمي الناصري الهشتوكي إلى فرنسا، أبرز من خلالها جوانب التكرار والتجديد في مشاهدات الرحالة، ومواقفه وانطباعاته داخل الفضاء الفرنسي مقارنة مع الرحالين المغاربة الذي زاروا فرنسا في نفس الفترة، وبالتالي إبراز القيمة المضافة لهذا النص الرحلي وأهميته التاريخية والثقافية.

ثالث أثافي المداخلات كانت للأستاذ مصطفى الغاشي محقق الرحلة، ركز على ثلاث نقاط: الأولى متعلقة بسياق الرحلة، وتحديدا ما قبل الرحلة وما بعدها، من خلال تسليط الضوء على شخصية الرحالة القوية، وما قامت به من أدوار سواء في علاقته بالمخزن أو في علاقته بفرنسا الكندافي والدور الذي لعبه في مقاومة الاحتلال الفرنسي؛ وهو ما يتطلب من الباحثين تسليط مزيد من الأضواء على هذه الشخصية المثيرة، بعيدا عن كل القراءات المتسرعة حتى تتكوّن لنا نظرة دقيقة وموضوعية عن هذه الشخصية.

ثانيها الحديث عن صاحب الرحلة الهاشمي الهشتوكي الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بشخصية القائد الكندافي منوها بالدور الذي لعبه نصه الرحلي في التعريف به وبشخصيته؛

ثالثها رحلة الهشتوكي في حد ذاتها التي يمكن أن ندرسها من جوانب مختلفة تقودنا إلى استخراج معطيات كثيرة جدا، وأهم ما لفت محقق الرحلة في هذا النص هو الأحكام والمواقف التي عبّر عنها الهشتوكي حول الفرنسيين، إذ لا نجد في رحلته تنقيصا أو سبابا للفرنسيين؛ نظرا لكونه كان ضمن وفد رسمي مخزني، وذاك ما جعله يكتفي بتقديم تقرير وصفي لمشاهداته مع إبعاد شبه كلي لذاتيته.

أكد الأستاذ مصطفى الغاشي في نهاية مداخلته على جِدة نص الهشتوكي، واختلافه عن الكثير من النصوص الرحلية السابقة عليه أو المعاصرة له، منوّها بالدور التجديدي للهشتوكي في كتابة الرحلة على مستوى النسق والبناء.

 

 

٧٧

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


48 + = 54