لماذا تعرضت السيدة الحرة للإنقلاب المشبوه رغم كفاءتها في تدبير الحكم ورفاهية تطوان؟

من كتاب “السيدة الحرة الملكة المغدورة” لكاتبه عبد الوهاب إيد الحاج

عبد الوهاب إيد الحاج

لقد راودتني فكرة هذا الكتاب بعدما زرت مدينتين إسبانيتين بالأندلس واللتين كانتا لهما تأثيرا قويا في إعادة بناء الأندلس من جديد بتطوان بعد سقوطها بإسبانيا. فالسقوط الحقيقي والنهائي للأندلس لم يتم إلا بعد سقوط تطوان الأندلسية. وهذا لم يتحقق إلا بعد الانقلاب المشبوه على السيدة الحرة حاكمة تطوان و”أميرة الجبل والبحر”. فأردت التطرق إلى هذا الموضوع “الانقلاب المشبوه على السيدة الحرة” لأنني كلما أردت أن أبحث فيه لم أجد ما يشفي الغليل. بل إن كل من تطرق إلى هذا الموضوع من محللين ومفكرين ومحققين إلا ومر مرور الكرام، ومكتف بذكر أن نهاية حكم السيدة الحرة كانت نهاية غامضة وحزينة، وبعد ذلك انقطعت أخبارها عندما استقرت بشفشاون غير مبال بالدسائس والمؤامرات الدولية و المحلية التي كانت تكيد لهذه السيدة المجاهدة الربانية التي كان أملها استرجاع الأندلس وأمجادها من جديد، و فعلا كانت قاب قوسين أو أدنى من ذلك.
المدينة الأولى التي زرتها و التي كان لها وقع قوي على بناء الأندلس من جديد في تطوان هي “بخير دي لافرونطيرا” المتواجدة بإقليم قادس و الثانية هي “بنيار” بإقليم غرناطة. فالمدينة الأولى هي المدينة التي ازدادت بها السيدة “كطالينا فرناندس” ” Catalina Fernández” المرأة الإسبانية الأصل التي كانت مسيحية واعتنقت الإسلام، و فيما بعد سترزق بنتا وسيطلق عليها اسم السيدة الحرة. و بعد إسلامها أصبحت تلقب بلالة زهور أو لالة الزهرة.
أخوها كان يدعى “مارتين” وعلى اسمه أطلق اسم مدينة “مرتيل” حيث كان هو قائدها العسكري و هو من يدبر شؤون الميناء الذي كان يطلق عليه آنذاك ميناء تطوان. وفي القرن السادس عشر كان هذا الميناء من أكبر وأهم الموانئ على البحر الأبيض المتوسط. وقد أشار عدد من المِؤرخين إلى أن ميناء مارسيليا بفرنسا كان ينافس ميناء تطوان ولم يأخذ ميناء مارسيليا الريادة بالبحر الأبيض المتوسط إلا بعد سقوط ميناء تطوان.
مولاي علي بن راشد حاكم مدينة شفشاون و نواحيها و حفيد مولاي عبد السلام بن مشيش هو من سيتزوج السيدة “للا زهور” لتصبح أما لإبنته السيدة الحرة. ومولاي علي ابن راشد لم يكن أندلسيا لكنه شارك في عدة معارك بالأندلس و في إحدى هذه المعارك تعرف على القائد المحنك “مارتين” الذي استقدمه لكي يكون حاكما على ميناء تطوان ومن خلاله تعرف على أخته “للا زهور” و تزوجها لتصبح أميرة شفشاون ومرشدة لحاكمها، وأما للسيدة الحرة المرأة التي حكمت ولاية تطوان من جبل طارق إلى مدينة أصيلة غربا وإلى تارغة شرقا أزيد من 18 سنة. هذا بطبيعة الحال لا ينسينا المؤسس الحقيقي لمدينة شفشاون الذي كان يدعى الحسن بن جمعة و هو ابن عم علي ابن راشد، حيث استطاع ان يجمع عددا كبيرا من المجاهدين المغاربة على الضفة اليمنى من نهر شفشاون بهدف حماية الشواطئ المغربية من الغزاة بالخصوص حينها كان قد فقد المغرب سبتة و قصر المجاز.
البرتغاليون و الاسبان استحضروا خطورة المجاهد الحسن بن جمعة عليهم و على تطلعاتهم الاستعمارية فدبروا له مكيدة، حيث كان داخل مسجد بمنطقة جبل الحبيب و اقفلوا باب المسجد عليه و أحرقوا المسجد بالكامل. مولاي علي بن راشد الذي ازداد سنة 1440م توجه إلى الأندلس سنة 1465م لمناصرة مملكة غرناطة سيعود من جديد إلى شفشاون لمناصرة المجاهدين هناك وهو أكثر خبرة في إدارة الحروب و إنجاحها ليخلف بعد ذلك ابن عمه المجاهد بن جمعة.
فأول خطوة قام بها علي بن راشد هو نقل موقع مدينة شفشاون من الضفة اليمنى للنهر إلى مرتفعات الضفة اليسرى حيث بنى حصنا متينا و المعروف لحد الآن “بقصبة شفشاون” و منازل من حوله. ربما اختياره الجديد لمكان المدينة على المرتفع و تحصينها بقلعة كان قد استوحاه مولاي علي بن راشد من التجربة التي عاشها بالأندلس. فعندما تزورها يظهر ذلك واضحا للعيان، لأن المدن التاريخية الإسلامية تتواجد كلها على المرتفعات.
المدينة الثانية هي مدينة “بنيار” مدينة علي المنظري الذي أعاد تأسيس مدينة تطوان أو مؤسس مدينة تطوان الأندلسية. سيدي المنظري كان قائدا عسكريا و حاكما لمدينة “بينيار” الأندلسية أيام حكم بني الأحمر لولاية غرناطة. مازال اسم مولاي علي المنظري يذكر إلى يومنا هذا ببينيار. سنة 1997 عندما كنت رئيسا على بلدية تطوان سيدي المنظري عرفت مدينة تطوان حدثين مهمين. الأول هو اعتراف اليونيسكو بالمدينة العتيقة لتطوان كتراث معماري عالمي للإنسانية جمعا، والحدث الثاني هو التوأمة التي وقعتُها مع رئيس بلدية مدينة “بنيار”، هذه التوأمة فتحت الباب على مصراعيه لتبادل الخبرات في مجال تدبير التراث و ربطه بالتنمية وكذلك كانت فرصة للتعرف أكثر على شخصية سيدي المنظري من خلال الملتقيات الدولية التي نظمت بدار الصنائع بتطوان و كذلك بمدينة “بينيار” الإسبانية وبمناسبة هذه التوأمة أطلقت بلدية بينيار على إحدى أجمل ساحاتها اسم ساحة مولاي علي المنظري. كما أن هناك توأمة بين مدينة شفشاون و مدينة “بخير ديلافرونطيرا” لقوة الروابط الموجودة بين المدينتين.
و عندما كنت أتجول بمدينة “بينيار” الجميلة المترامية الأطراف بين الجبال على شاكلة مدينة تطوان كنت أحس و كأنني أتجول داخل التاريخ، و الشيء الجميل هو أنك و من أي موقع من المدينة تظهر لك قصبة المنظري شامخة و صامدة على قمة الجبل و تحت هذه القصبة توجد مغارة كبيرة تم ترميمها حديثا و أصبحت وجهة للعديد من السياح الدوليين يصلون إليها عبر قطار صغير و جميل المنظر يغري ركوبه الزوار. و قصبة المنظري منسجمة مع مغارتها ب”بينيار” كما هو الحال بالنسبة للمدينة العتيقة لتطوان و مغارتها (المطامير)، و كأن سيدي المنظري قام بتصميم نفس المدينة و نفس المغارة بمدينة تطوان.
كان ينتابني شعور غريب بمدينة “بينيار” ، شعور بالاعتزاز والفخر ممزوج بالحزن و الأسى. نفس الإحساس وأنا أتجول بمدينة “بيخير دي لافرونطيرا” هذه المدينة البيضاء اللون التي تشبه إلى حد بعيد مدينة شفشاون المجاهدة. ذكر بعض المؤرخون أنه من الشروط التي فرضتها للا زهور للزواج بأمير شفشاون مولاي علي ابن راشد هو أن يبني لها مكانا يشبه مدينة “بيخير ديلافرونطيرا” وفعلا عندما تتجول بهذه المدينة وكأنك تتجول داخل مدينة شفشاون، بالخصوص عندما وصلتُ إلى منزل للا زهور وجدته مشابها للعديد من المنازل الموجودة بشفشاون، تجدون بعض الصور في نهاية هذا الكتاب تؤكد ذلك.
لماذا وقع الانقلاب المشبوه على السيدة الحرة رغم أنها كان مشهود لها بالكفاءة وحسن التدبير على جميع المستويات: الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والثقافي؟ حيث أصبحت الملاحة التجارية التطاونية تجول جميع أنحاء المعمور وبالخصوص البحر الأبيض المتوسط، والعسكري بحيث أصبح جيش السيدة الحرة يضرب له ألف حساب على الصعيد العالمي، والسوسيو-ثقافي بحيث كان هناك ازدهار و رفاهية بارزين على الحياة اليومية للأفراد، كما أن التعايش الثقافي بين المسلمين واليهود والمسيحيين كان واضحا للعيان. وعلى ذكر التعايش الثقافي فالثقافات الثلاث كان لها دور كبير في بناء الأندلس من جديد في تطوان. لهذا سأتطرق في جزء كبير من هذا الكتيب إلى الثقافات الثلاث وخصوصياتها بالمغرب العربي بصفة عامة و المغرب بصفة خاصة و دورها في بناء اللبنات الأولى للأندلس الجديدة و البديلة بتطوان.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 66 = 74