صورة المرأة في رواية قاعة الانتظار للزهرة رميج

 شيماء المرابط: طالبة باحثة 

 

   تمهيد:

    تعتبر القاصة والروائية الزهرة رميج رائدة من رواد الكتابة النسائية في المغرب، وذلك راجع لما حققته من تراكمات إبداعية في مجال القصة القصيرة والرواية على حد سواء، والتي لقيت اهتماما بارز من قبل القراء والنقاد، إذ لا يخفى على أحد من الدارسين ما كان لها من أياد بيضاء في إغناء الساحة الإبداعية، بأعمال أدبية ترمي من خلالها إلى  كسر كل الحواجز التي تسعى إلى طمس الهوية والذاكرة، وتزوير الواقع الجريح وما يتشاوج داخله من قضايا سياسية واجتماعية… بكل تلوناتها وتشكلاتها والتي لا يمكن فصلها عن قضايا الأنثى باعتبارها جزءا لا يتجزأ منها.  وسنحاول في هذه القراءة استجلاء بعض خصائص هذه التجربة، من خلال إصدارها الأخير رواية  “قاعة الانتظار”. فبعد تناول العنوان في علاقته بالمتن الحكائي، سنقوم بدراسة صورة  المرأة في الرواية، لنصل في النهاية إلى خلاصة شاملة لما تم معاينته سابقا.

من العنوان إلى الدلالة: طبيعة الانتظار في الرواية.

  يشير عنوان روايتنا “قاعة الانتظار” إلى المكان المغلق الذي ستدور فيه معظم أحداث الرواية، وما سيقدمه لنا من محكيات وحقائق، تقول الساردة ” قاعة الانتظار تقرب بين المرضى وعائلاتهم، وتجعلهم جميعا يتقاسمون حكاياتهم مع المرض والمعاناة…”. إذن، فهو مكان مغلق من الناحية المادية، ولكنه منفتح من الناحية المعنوية. وذلك عندما يكون هذا المكان بؤرة نقاش قضايا متنوعة، وتوليد أحداث  تساهم بشكل بارز في سيرورة الرواية. هذا من جهة، أما من جهة أخرى،  فإذا اقتصرنا على كلمة “الانتظار” في علاقتها بمتن النص، فنجد أن الروائية تصور لنا هذا الانتظار الموحش بطرق متعددة ومختلفة، تقول فدوى بطلة الرواية: ” لماذا نعاني في هذا البلد السعيد من آفة الانتظار الدائم؟ أينما وليت وجهك، تجد الانتظار في انتظارك، كيف يتكلمون عن الحداثة وما لست أدري من المصطلحات الرنانة، ومع ذلك، ما تزال الأمور تسير سير الحلزون؟ وما يزال قانون ( قضاء الحاجات بتركها) ساريا؟”  تستنكر فدوى بطلة الرواية حال هذا الوطن الذي مازال يتخبط في العشوائية والابتذال، وتأجيل الإصلاحات إلى أجل غير مسمى، إذ يظل المواطن يتهادى في دوامة الانتظار إلى أن يسقط  في هاوية اليأس.

وفي موضع آخر يحضر الانتظار بوجه مختلف، نجد عبارة الانتظار تتكرر مرتين دلالة على التوتر الذي يسيطر على ذوات الشخصية  ” نظرت المرأة إلى هاتفها، وتابعت: كم هو قاتل هذا الانتظار” وتعيد فدوى نفس العبارة وهما تنتظران الإفصاح عن نتائج العلاج .

وتقدم لنا الرواية صورة أخرى عن “الانتظار”، وهو انتظار المصير، إما الحياة أو الموت، فبعد أن أجرى يوسف العملية كانت النتيجة مرهونة باستيقاظه من البنج لأن نسبة نجاحها كانت ضئيلة ” استغرقت العملية عدة ساعات مرت عليها مرور الدهر… ولم يحسم الدكتور أمر نجاح العملية، إذ رهنه باستيقاظ يوسف من البنج… وطال الانتظار مرة أخرى… واستيقظ يوسف أخيرا”

إلى أن تصل بنا الرواية إلى انتظار حتمي، انتظار الموت وإقصاء الحياة من المشهد، لقد انتقلت بنا الرواية من انتظار المستقبل المجهول الذي لم يفصح عن ذاته، إلى مستقبل واضح المعالم، وهو الموت المحقق، يقول يوسف: “( ماذا ينتظر الموت، وقد أصبحت جاهزا؟) هي نفسها، ما عادت تدفن رأسها في الرمل… رغم ما تبديه أمامه من تفاؤل، إلا أنها مثله… لقد حل الانتظار محل الأمل…”

وتختم الروائية منجزها الإبداعي بعبارة تستنكر فيها هذا الانتظار الذي عاث في الوطن فساد، وتقول: “إلهي… ألا ينتهي جحيم الانتظار؟”.

–   المتن الحكائي:

تدور أحداث الرواية حول موضوع “السرطان” الذي أضحى في الآونة الأخيرة يجتث الأرواح تلو والأرواح .  لقد عملت الروائية على تصوير تلك المعاناة التي يتكبدها المريض، والحالة النفسية المتأزمة التي تمر منها عائلته، وذلك من خلال شخصية المريض “يوسف” وزوجته “فدوى”، التي واجهت المرض بكل ما أوتيت من أمل وإصرار، أمل شفاء زوجها وانتصارها على كل من كان يسعى إلى إطفاء شمعة الأمل بداخلها. تفصح لنا الرواية عن الفساد الذي ينخر في جسد هذا الوطن، فهي من جهة تبرز للقارئ الملامح العبثية التي يستضمرها القطاع الصحي، ومن جهة أخرى تفكك طبيعة المجتمع المغربي الذي مازال يتخبط في دوامة الجهل المقيت.  تتساءل فدوى بطلة الرواية وهي تستنكر هذا الوضع : ” ترى كم يلزمنا من عقود كي تنسجم أفكارنا مع حياتنا العصرية الظاهرية؟”

–   صورة المرأة في رواية ” قاعة الانتظار”

تشكل الصورة الروائية انعكاسا لفكر المبدع/ الروائي، يعبر عنه عن طريق اللغة، وتكون في أغلبها متعلقة بحالته السيكولوجية وتمثلاته للمجتمع. “فالصورة في مفهومها العام تمثيل للواقع المرئي الذهني… أو إدراك مباشر للعالم الخارجي الموضوعي تجسيدا أو حسا أو رؤية..” ” وحقيقة هذه الصورة… لا تكمن في تشكيل التوافقات بين العناصر، بل في طريقة التشكيل النفسي. ومن هنا نرى أن كل تحديد صارم للصور الروائية لا يمكن تحققه إلا بالكشف عن مجموعة الطرائق التي يمارسها الوعي لتمثل الصور من خلال العناصر الجمالية المقترحة من لدن المبدع في كل متن روائي”.

وقد ” تنوع التعبير عن المرأة فنيا، وغدا الحديث عنها واتخذاها بؤرة في العمل الروائي أمرا مألوفا… لكن صورتها ظلت تراوح بين نموذجين أصليين في الثقافة السائدة، صورة المرأة المثالية الخلق والخلق، رمز الطهر والنقاء، وصورت كالعاشقة البريئة، وقد تشتبك مع صورة الأم المثالية أو تتسامى لتصبح رمزا للوطن، وصورة المرأة الجسد، رمز الإغواء والشهوة والخطيئة والشر في الوقت ذاته…”

وسيرا على هذا المنوال في الرواية المغربية نلاحظ حضور المرأة من خلال مجموعة من الصور التي تفصح عن كينونتها وذاتها، فتقدم صورا متعددة ومختلفة ، منها ما يصور حال المرأة داخل المجتمع وما تعانيه من تبخيس، ومنها ما يعكس لنا مظهرا من تمظهرات المرأة المكافحة التي تسعى جاهدة إلى تجاوز تلك الصورة النمطية لتخلق لنا نموذجا يحتدى به… كونها فعلا ومركزا لتجدر الأحداث وتتابعها في الرواية.

وبالعودة إلى منجزنا الأدبي نلحظ أن الكاتبة أولت اهتماما بالغا للمرأة، فأعطتها دور البطولة في الرواية، بالإضافة إلى حضورها  من خلال صور عديدة ومتباينة، لكننا اقتصار على ثلاثة منها باعتبارها تعلن بوضوح عن نفسها وتعكس القضايا المجسدة في الرواية.

أولا: صورة المرأة المثالية:

تطالعنا صورة المرأة المثالية من خلال شخصية فدوى البطلة؛ زوجة يوسف الذي التهم الغول جسده ورمى به في دوامة المعاناة، فكاد يفقد روح المقاومة لولا وجود هذه المرأة في حياته، والتي زرعت فيه نخوة الحياة والمقاومة والتشبث بالأمل والتفاؤل. ويمكننا تلمس هذه المثالية من خلال مجموع التمظهرات الجوهرية التي أسقطتها الروائية على البطلة فدوى:

فدوى العاشقة:  تتساءل فدوى ” من أين يستمد جسدها قوته الهائلة وقدرته العجيبة على تدبير كل أمور حياتها الأسرية والعملية؟” . إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي منا الغوص في تلابيب هذه الشخصية، واستنباط تلك المشاعر الراقية التي تكنها لزوجها، مشاعر الحب والوفاء والإخلاص، فبفضلها تمكنت من تخطي كل المعيقات التي واجهتها، الحب هو الوسيلة الناجعة، والسلاح الرادع، الذي قاومت به عدوها أو بالأحرى أعداءها. تقول فدوى: ” القوة والصلابة لا ترتبط بالجنس، بقدر ما ترتبط بالحب، هو محرك الطاقة وصانع المعجزات”، فهو الذي جعلها تظل على قيد الأمل، وهو جوهر هذه التضحيات وقيمتها العالية التي لولاها لما خطت خطوة واحدة إلى الأمام. فالحب صنع الأمل، والأمل ولد الكفاح والمقاومة.

لقد تجاوزت فدوى كل أشكال الإغراء والإغواء، التي دعتها من حين لآخر إلى التخلي عن زوجها، والانفتاح على حياة الترف والمتعة، إلا أنها كانت دائما تعتز بهذا الحب الصادق، وتعلن عن تشبثها به في كل زمان ومكان. تقول فدوى: ” ما قيمة الحب، إن لم نعبر عنه في وقت الأزمات؟”.  لم يكن المرض بالنسبة لها سببا مقنعا للتخلي عن زوجها، بل كانت دائما تصر على متابعة مسيرها النضالي للظفر بانتصار أسطوري لحبها تقول: ” الحب الحقيقي أن نتقبل الآخر كما هو بنقائصه” . وقد وصل الحب مقاما عاليا استطاعت فدوى فيه أن تتقيد بالوفاء حتى وإن اختار قلب زوجها امرأة أخرى غيرها، إذ بعد أن تعرف يوسف على تلك المرأة الريفية “ميرة” في غرفة العلاج، والتي تجسد بدورها صورة المرأة المثالية المكافحة والمؤمنة بأن الحياة حق  للجميع، والتي عملت جاهدة من أجل تقديم يد المساعدة لمرضى السرطان، طفت فكرة في ذهنها، لو أن تلك المرأة الريفية أحبت يوسف وأحبها فهل تستطيع تحمل هذا الألم، ثم ردت على نفسها لتحسم الأمر: ” من يحب بقوة، لا يمكنه أبدا، أن يكره”.  حتى بعد موت زوجها ظل هذا الحب حاضرا في كيانها، مات الجسد وظلت روحه تسري في غيابات روحها. فقبل رحيله ترك لها وصية مع “حمادة” وهو رجل ينتمي أيضا إلى منطقة الريف، تعرف عليهما في مصحة السعادة عندما كان يعالج ابنه المريض هناك، رجل ماتت زوجته وتركته يتخبط في متاهات الحياة، بين مرض الابن وقلة المدخول وحدة الواقع المأزوم، يدعو يوسف في هذه الوصية فدوى إلى التزوج بحمادة ، لأنه رأى فيه الرجل المناسب الذي يمكن أن يحافظ على أسرته، لكن فدوى رفضت تماما هذا الطلب، لأن حب زوجها يوسف لا يمكن أن يموت وسيظل حيا ما حيت، تقول : ” … أنت تعرف مكانتك عندي. وشرف لي أن أرتبط  برجل في مثل نبلك وأخلاقك. وتأكد أني لو كنت التقيتك قبل معرفتي بيوسف، لما ترددت لحظة واحدة في الارتباط بك. لكني الآن، وبعد حياتي مع يوسف، لا يمكنني الزواج مرة أخرى.”  تجسد لنا فدوى صورة المرأة العاشقة التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل ضمان الاستمرارية لحبها، وقدمت حياتها قربانا له.

فدوى المكافحة: مذ عرفت فدوى حقيقة المرض، وهي تناضل من أجل الانتصار عليه، كانت تنظر إليه بعين المحارب المغوار الذي يعد ترسانته من أجل التغلب على عدوه، فدوى كانت واعية بطبيعة المرحلة التي وصل إليها يوسف، لذلك لم تستهن بها بل ضاعفت العمل وبذلت قصارى جهدها. وسط هذه الملحمة، تقول فدوى : “إلهي: علي أن أعد العدة لمقاومة المرض الخبيث” ” … فمنذ أن علمت بأن زوجها لم يتبق له في الحياة سوى ثلاثة أشهر، وهي تحس بقوة رهيبة بداخلها تتحدى هذا المرض، وتمدها بطاقة هائلة لا تعرف أين كانت مخبأة من قبل. قوة جعلتها تستنفر ذاكرتها، وتستخرج ما راكمته من معلومات تجمعت من قراءاتها لبعض الكتب والمجلات، ومشاهدتها لبعض الأفلام حول مرضى السرطان، ولبرامج متعددة حول التغذية الصحية ودورها الوقائي والعلاجي من الأمراض المستعصية” هكذا استمرت في البحث عن بصيص الأمل، وحث نفسها على المواصلة والتزود بكل ما يمكنه أن يساعدها في تخطي هذا المرض، فسطرت نظاما غذائيا ساهم بدور فعال في الحد من انتشار الخلايا السرطانية في جسد يوسف، وهذا ما أقر به الدكتور الرحيمي عندما سأل يوسف بعد نجاح العملية التي قام بها، ” من كان يعتني بك؟

زوجتي، يا دكتور…

أرفع قبعتي احتراما لك، سيدتي، لقد أنقذت زوجك من الموت.” ” نتائج مبهرة جودة طبيخ مدام عدناني واضح برابو مدام”

فهو الذي لطالما دعمها في مسيرتها وأشاد بكل مجهوداتها، وزرع في داخلها فورة الأمل. يقول الدكتور الرحيمي: ” هذا ما يقوله الطب من خلال المرحلة التي وصلها المرض، ولكن أمر الموت والحياة لا يعلمه غير الله، وعلى الإنسان أن يتشبث بالأمل” على عكس باقي الجهات الطبية والتي رأت في أملها هذا مجرد ضرب من الجنون، إذ لا يمكن في نظرهم الاعتداد بالاستثناء وأن الحقائق العلمية لا نقاش فيها، لتعكس لنا من خلال هذه الصورة واقع الصحة في المغرب والذي تجرد من حسه الإنساني مقابل لهفته على المال وامتلاك الثروة الطائلة. تقول فدوى: ” قدرنا نحن الذين لا نملك الثروة أن نجعل من الأمل ثروتنا”  فعملت على تكريس هذه النظرية، إذ يمكننا تلمس ذلك من خلال الصراع القائم بين الأمل واليأس عبر الحوارات المضمنة في الرواية

” حالة زوجك لا أمل معها

يا دكتورة أنا لست مثلك”

ترفض فدوى أن تكون تلك الإنسانة اليائسة المحبطة، وإنما أرادت لنفسها الشموخ فجعلت الأمل نبراسا تضيء به طريقها . تقول الدكتورة منال :” في حالة زوجك الانتحار وعدمه سيان، إذ ما قيمة ثلاثة أشهر في بحر الزمن الأبدي؟ إنها مجرد رمشة عين.

ترد عليها فدوى رافضة منطقها الصارم : ” ذلك أنك لا تضعين في اعتبارك الأمل، أما أنا فالأمل منارتي” وفي حوار آخر لها مع البروفيسور حجاج وهو من أشرف على حالة يوسف في مصحة السعادة ” زوجك لن يعيش أكثر من شهر أو شهرين… وفي أقصى الحالات، لن يتجاوز الثلاثة أشهر”  لم تأخذ فدوى بكلام البروفيسور بل أصرت على دحض فكرته بالدليل القاطع ” فجأة وفي عز ألمها، أحست بقوة داخلية تدفعها إلى تحدي البروفيسور وتحدي الدكتورة منال أيضا. ستخوض صراعا مريرا من أجل إسقاط حكم الإعدام الذي أصدراه معها في حق زوجها دون رحمة أو رأفة. ستشن حربا ضروسا على الموت لإبعاده عن طريق حبيبها يوسف. أوان الموت لم يحن بعد، ما زال طريق الحياة والأحلام طويلا” . إذن، هي فدوى الحالمة التي تتوق إلى تحرير الواقع من كيد اليأس، تقول: ” بدون الحلم نموت، احلم، ما دام الحلم لا يكلفك شيئا”.  لم تكتف فدوى بالأمل لنفسها، بل استنجدت بكل طرق الإقناع والتأثير لتزرعه في نفسية يوسف المريض ” هل ينجو من يصاب به؟ (قال يوسف).

طبعا، قالت بنبرة تدل على الثقة العالية”

حرصت فدوى ألا تظهر بصورة الإنسانة الضعيفة التي تملكها الحزن واليأس، دائما ما كانت تكفكف دمعها، وتحد من جماحه أمام العالم وأمام زوجها يوسف وأبنائها حتى النهاية ” أيقنت أنه أدرك نهايته. لكنها تمالكت نفسها، وقاومت دمعها. أمسكت بيده، فإذا به يرفعها إلى فمه، ويطبع فوقها قبلة طويلة كأنما يريد تحميلها كل عبارات الحب والشكر والامتنان”. لم تستسغ فدوى أبدا فكرة الاستسلام حتى ويوسف يحتضر، أبت إلا أن تجعل من نهايته نهاية يسيرة، فرغم رفض المصحة استقباله مكررة نفس العبارات ” لا داعي لإحضاره، سيدتي… إنها اللحظات الأخيرة …

إنها النهاية التي لا مفر منها…

ألم أقل لك إنها النهاية؟”

إلا أنها أصرت على إخضاع يوسف لما يمكن أن يخفف عليه ألم الموت. فدوى لم تضع حدا لإصرارها حتى بعد موت يوسف أرادت أن تبحث عن الحقيقة، حقيقة موت يوسف بدت لها مبهمة وغامضة، ترجعها في غالب الأحيان إلى البروفيسور الذي جعل من يوسف فأر تجارب على حد تعبيرها تقول فدوى: ” أعرف أن الشكوى قد لا تتقبلها أي محكمة، على اعتبار أن مريض السرطان في نظر الجميع محكوم بالموت. ومع ذلك، أريد فعل شيء ما. ما هو؟ لست أدري، المهم أنني أريد الاحتفاظ بالملف. قد أحتاجه يوما… ربما عندما أهدأ، ويخف جرحي، أفكر بطريقة أفضل.”

فدوى المسؤولة: في خضم هذا الوضع الذي تتخبط فيه الأسرة، حاولت فدوى قدر الإمكان ألا تتأثر وأن تظل ركائزها ثابتة لا تتزحزح، في البداية أخفت فدوى حقيقة مرض يوسف على ولديها، حتى لا تتأثر دراستهما، وخصوصا عاطف الذي كان في مرحلة الباكالوريا، وبعد أن انكشف الأمر وظهرت الحقيقة المرة للعيان، ظلت محتفظة بذلك النظام السائد في البيت ” لا وقت لديها للراحة، ولا حق لها في المرض. تستيقظ كل يوم باكرا، وتحرص على القيام بكل المهام داخل البيت وخارجه: تطبيق البرنامج الغذائي الذي سطرته ليوسف… الإشراف على شؤون البيت واحتياجاته… الاهتمام بولديها ومراقبة سير دراستهما… تحضير الدروس… تصحيح الفروض… حضور الاجتماعات… القيام بالأنشطة الثقافية… تريد أن تستمر حياتها العملية والأسرية كما كانت قبل مرض يوسف”  لقد استطاعت فدوى المزاوجة بين كل هذه الأمور، لتقدم صورة عن المرأة المسؤولة الواعية بالدور المنوط لها، والفاعلة داخل البيت وخارجه، ” انتفضت انتفاضة المقهور في وجه قاهره، وهمست بداخلها مخاطبة ولديها: ( بابا لن يموت، سأعمل المستحيل كي لا يحرمكما المرض الخبيث منه، ولا تتيتما قبل الأوان)… أحست بطاقة غريبة تسري في جسدها، وبإصرار متزايد على مقاومة السرطان”.

إلى درجة أن فدوى كانت دائما تسعى جاهدة إلى إبقاء روح المرح والسعادة في أوساط أسرتها الصغيرة، إذ كانت دائما تبحث “عن شعاع الفرح في حلكة الشقاء كمن يبحث عن أريج وردة يانعة في مزبلة نتنة…” على حد تعبير يوسف. لكنها ترد عليه بنبرة لا تخلو من الجدية والإصرار: ” وما العيب في أن نقتنص لحظة فرح في زمن الشقاء؟ أليست لحظات الفرح ما يخفف عنا وطأة هذا الشقاء، ويجعلنا نتشبث بالحياة؟”

صورة المرأة السلبية: وعلى عكس من هذه الصورة التي جسدتها فدوى، تحضر في الرواية صورة المرأة السلبية التي ترى الواقع من عين واحدة، متمثلة في شخصية “نزهة”، هذه الشخصية التي قابلتها فدوى في قاعة الانتظار، لتكشف لها عن واقع آخر، واقع الفساد وتردي الأخلاق وغياب الضمير والوفاء. تقول نزهة : ” على المرأة منا أن ترفه عن نفسها، مثلما يفعل الرجال… انظري الفرق بين رجال المريضات، ونساء المرضى. ففي الوقت الذي تدفن فيه النساء أنفسهن في الحزن، يعيش الرجال حياتهم بالطول والعرض، ويتخذون العشيقات ويستمتعون معهن بالحياة. هذا إن لم يتخلوا عنهن تماما…”

هنا تدعو نزهة فدوى للخيانة بشكل ضمني، محتمية بنظرتها السلبية للرجل، والذي رسمت له صورة أحادية في مخيلتها، صورة الرجل الخائن الذي من المستحيل أن يسكن الحب قلبه. تقول نزهة: ” نحن النساء أصيلات، أما الرجال فأعوذ بالله” لقد تجاوزت نزهة حد الإيحاء بضرورة الخيانة إلى التأكيد، ذلك أنها تصر على فدوى التجرد من حبها ووفائها الزائد والغوص في بحر الشهوة حتى الثمالة، مادام زوجها لم يعد قادرا على أن يكون زوجا مثاليا لها. تقول نزهة محاولة إقناع فدوى بفكرتها: ” منذ متى كان الزواج عقبة في طريقة السعادة؟ ومن من النساء اليوم، لا يبحث عن السعادة خارج بيت الزوجية؟ إذا كان هذا حال النساء المتزوجات برجال أصحاء، فما بالك بمن أزواجهن مرضى وعاجزون مثلك؟ حتى الله لا يقبل بهذا الحرمان الذي تعانين منه…  لو كان زوجك إنسانا نبيلا ، لدعاك بنفسه إلى ممارسة حقك الطبيعي، على  الأقل ليرد بعض جميلك.” هكذا ترى نزهة الحرية، وتكرس نظرية التحرر عبر الجسد، دون الاهتمام بالذات الأنثوية وما تحمله من مشاعر راقية ذات بعد إنساني، فهذه الشخصية ترى أن التخلص من أوجاع الذات لا يتأتى إلى من خلال الانغماس في ملذات الجسد، وتتوهم بأنها تحررت من قيود العبودية والاستسلام، لتقع في أسرها، وتلتحم مع نظرة المركزية الذكورية التي تحصر المرأة في الجسد فحسب.

صورة المرأة المضطهدة:

تتجسد ملامح هذه الصورة في الرواية من خلال مجموعة من الشخصيات، ورغم اختلاف كل حالة عن أخرى إلا أن السبب وراء هذا الوضع الذي وصلت إليه كل واحدة منهن هو الرجل. فالروائية ترصد لنا مجموع الاضطهادات  التي تعاني منها المرأة داخل هذا المجتمع الذكوري الذي يبخس من قيمتها  ويسعى إلى طمس هويتها بكل الوسائل الممكنة.

تمثل شخصية “ربيعة” هذه الصورة، فهي الزوجة التي خانها زوجها أكثر من مرة، إلا أنها ظلت صابرة رغم ما قاسته معه من ذل ومهانة، لأنها ترى ذلك أرحم لها من أن تصير امرأة مطلقة، بحكم تركيبة المجتمع الذي لم يستطع لحد الآن التخلص من أقذار الجهل وبراثينه. جاء على لسان نزهة وهي تصف وضعية ربيعة: “مسكينة ربيعة، كم عانت، وما زالت تعاني مع زوجها الذي ترعاه رغم كونه كان يذيقها المر عندما كان في كامل صحته. كان زير نساء، يتباهى بفحولته ووسامته، ويعيرها بسمنتها الزائدة وترهل جسدها، وتوج تجريحه لها بهجر فراشها… إنه يكبرها بعشرين سنة، ومع ذلك، بمجرد ما امتص شبابها، راح يبحث عن شابات أخريات يجدد معهن شبابه…”

وأحداث الرواية تكشف لنا عن حالات أخرى مشابهة لها إلى حد ما، فنجد أم تلك الطفلة المريضة بداء سرطان الغدة الدرقية، تخلى عنها زوجها وتركها لوحدها في وجه العاصفة، لم تجد أي معين يساندها في حياتها، ولا في محنتها مع المرض، وكل هذا بسبب حملها، فهي الزوجة الثانية التي رفض زوجها رفضا باتا أن تلد له الأولاد، لأن له ما يكفيه من الزوجة الأولى أما هي فيرى فيها مجرد جسد للإمتاع، تقول المرأة: ” هذا الزوج أرادني أن أكون محظية فقط… أن لا أنجب حفاظا على جسدي…”

ومن خلال استرجاع فدوى للماضي، وبالضبط فترة إنجابها لدنيا، تكشف لنا عن ملامح شخصية أخرى، عانت المرين معا، تخلى زوجها عنها في فترة المخاض وفضل مشاهدة مباراة كرة القدم بدل المجيء معها إلى المستشفى، لأنها -حسب رأيه- تلد البنات فقط، وهنا نعود إلى نقطة البداية، ونقول إلى متى سيتحرر هذا المجتمع من ضغائن فكره المتحجر؟ وثانيا موت مولودها الذي لم ير العالم بعد بسبب الإهمال الطبي.

فمن خلال هذه التمظهرات لصورة المرأة المضطهدة يمكننا اكتشاف حقيقة المشاعر التي تموج بداخلها، واستنباط الحالة النفسية المتذمرة التي تتخبط فيها، والتي ترمي بها في لجة الألم والأسى. إذ عملت الروائية من خلال الإفصاح عن هذه المشاعر المتضاربة، على تفكيك نسق المجتمع ومرجعياته ومسوغاته، والاحتجاج عليها بأسلوب حاذق وواع، وذلك من خلال الكشف عن وجهه الخفي الملتوي وراء قناع الخطابات التربوية الرنانة  ، التي تمارس فعل التضليل، والسيطرة الفكرية على أفراده .

خاتمة:

صفوة القول، رواية ” قاعة الانتظار” هي مرآة للواقع  وما يعتريه من فساد وخبث وخراب، فقد تشاوجت داخل هذه الرواية مواضيع مختلفة ومتنوعة تحت راية الموضوع الرئيسي وهو” مرض السرطان”. فالرواية بأبعادها المتعددة، هي تسجيل ونقد للواقع، فهي تهدف إلى بناء وعي، يسائل الذات من جهة، ويخاطب المسؤولين من جهة أخرى، ونستشف ذلك من خلال مجموع القضايا التي طرحتها الروائية في منجزها الأدبي، ومجمل الصور التي يجتنحها النص، والتي تراوحت بين : صورة المرأة المثالية من خلال شخصية فدوى، فهي النموذج المثالي للإخلاص والوفاء في ظل مجتمع استحوذ عليه الشطط والزيغ والخيانة ، وصورة المرأة السلبية، وصورة المرأة المضطهدة والضعيفة التي لا تقوى على تضميد جرحها الذي ينزف بسبب سطوة المجتمع بتقاليده وأعرافه البالية.

 ويظل السؤال مفتوحا: إلى متى سيظل هذا الجرح ينزف؟

 

 

لائحة المصادر والمراجع

المصادر:

 

 – الزهرة رميج، ( رواية)، سليكي الأخوين، طنجة، الطبعة الأولى، 2019.

 

المراجع:

 

  – طه وادي، صورة المرأة في الرواية المعاصرة، الشرق الأوسط، القاهرة ، الطبعة  الأولى،1937

  – محمد أنقار، صورة المغرب في الرواية الإسبانية، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى، 1994.

  – قدور عبد الله ثاني، سيميائية الصورة، مؤسسة الوراة، عمان، (الأردن)، الطبعة الأولى، 2007.

 

 

 

 

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


65 − = 60