الدكتور عبد الحق المريني .. مؤرخا وأديبا

المجلة المغربية

بعيدا عن المهمات الرسمية وما يليها من انشغالات مهنية عديدة، ومهام جسام يتقلدها الدكتور عبد الحق المريني، يظل الأخير نموذجا للمثقف والمفكر المتواضع ورجل الدولة الذي لا تغريه مظاهر المسؤولية. لقد ظل وفيا لقيمه الفكرية والأخلاقية ومنتجا ومتفاعلا ومنضبطا لها، حتى استحق أن يكون موضع ثقة جمهور المثقفين على اختلاف رؤاهم ومشاربهم في المغرب وخارجه.

تلك هي أهم الخلاصات التي ينتهي إليها أي باحث في سيرة عبد الحق المريني، حين الغوص في مكنونات التاريخ الوطني وتصفحه لمحطات الشعر والأدب المغربي، وتحديدا في محطات التكريم والتنويه التي حظي بها في العديد من المدن المغربية؛ ومنها تكريمه بالرباط في دجنبر 2010، في حفل فني ضمن فعاليات اللقاء الدولي السابع للموسيقى الأندلسية، الذي نظمته جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب؛ وما حظي به من تكريم في الدورة الخامسة من فعاليات الأبواب السبعة التي نظتمها جمعية تطوان أسمير بتطوان في أبريل 2011، اعترافا لما أسداه من عطاء على عدة مستويات أدبية وفكرية؛ ثم الاحتفالية الأدبية المتميزة بالمسار الأدبي الزاخر له ببيت الصحافة بطنجة في مارس 2016، بحضور شخصيات علمية وفكرية وسياسية وأكاديمية.

إن الحديث عن الدكتور عبد الحق المريني، المزداد سنة 1934 بالرباط، مناسبة لاستحضار ما كتبه عن التاريخ المغربي؛ فهو يعد ذاكرة حية لتاريخ المغرب الحديث، بكتاباته التي تناولت مختلف مناحي الحياة، ولامست قضايا المجتمع بمختلف تجلياتها، ومنها قضايا المرأة، والجهاد المغربي ضد الاستعمار، وتاريخ ملوك الدولة العلوية والتقاليد المغربية.

هذا الانجذاب العجيب للتاريخ المغربي يبدأ مبكرا، حين حصل الدكتور المريني على نقطة جيدة في الشهادة الابتدائية، عند امتحانه من لدن أستاذه أبو بكر القادري زعيم حزب الاستقلال بمدينة سلا.

عموما، تميزت الكتابات التاريخية لعبد الحق المريني بشموليتها وغناها، باستنطاق تاريخ المغرب بمحطاته ورجالاته؛ فهي تعكس أصالته وعمقه الفكري وشخصيته متعددة الأبعاد، مما أهله بأن يكون، واحد من رموز النبوغ المغربي الحديث، ومن الكتاب المغاربة المتألقين، الذين عشقوا الكتابة بنبلها وعمقها ودلالتها.

وتتنوع كتابات الدكتور المريني، وترتبط موضوعاتها بموضوع الوطن، حين تقف عند محطات بارزة ومواقف من تاريخ المغرب. ويتميز أسلوب عبد الحق المريني في مجال كتابة التاريخ بالاختصار في القول وتبسيطه، لتعميم الفائدة وتقريب المعرفة، وجعلها في متناول جمهور واسع من القراء، لمعرفة ما أنجز في تاريخ المغرب.

ومن اللافت أن العديد من كتاباته، التي ألفها ما بين سنتي 1975 و1999، تركزت على الأدب والتأريخ السلطاني؛ كديوان “الحسنيات” المكون من ثلاثة أجزاء، و”قال جلالة الملك الحسن الثاني”، و”مجموعة الخطب الملكية والرسائل المولوية والأوامر اليومية الموجهة إلى وحدات القوات المسلحة الملكية”.. ومؤلفات عديدة؛ من بينها “الجيش المغربي عبر التاريخ”، و”شعر الجهاد في الأدب المغربي”، وهي أطروحة دكتوراه، و”دليل المرأة المغربية” في جزأين، و”مدخل إلى تاريخ المغرب الحديث من عهد الحسن الأول إلى عهد الحسن الثاني”، و”الشاي في الأدب المغربي” الصادر ضمن منشورات سلسلة شراع…

ويتميز الدكتور المريني بشخصيته الموسوعية ومعارفه الكثيرة وحضوره الفكري والأدبي المتنوع. وفي أثناء استعراض هذا المسار الأدبي الزاخر، تبرز أهم المحطات الوطنية والفكرية التي أثرت في المسار الأدبي لعبد الحق المريني وحضوره والإبداعي المتنوع واهتماماته المعرفية. ويظهر هذا العمق الفكري وشخصيته متعددة الأبعاد في الكتابات الأدبية المتنوعة، وهو ما يجعله رمزا من رموز النبوغ المغربي الحديث ومن الكتاب المغاربة البارزين.

ويملك الدكتور المريني القدرة على الجمع بين الأدب والتاريخ بتداخلهما وتكاملهما… إلى ذلك يعد من أوائل الكتاب الذين سلطوا الضوء على تاريخ الجيش المغربي وعلى الأدب المرتبط بالجهاد….كما له القدرة في الفصل بين موهبته الأدبية وبين وظيفته الرسمية، معتمدا على الإرادة القوية في تحقيق ذلك، وفي القدرة على التأليف عموما..

ويكفي الحديث عن الحضور الشعري عند عبد الحق المريني، وقربه من جمهور الأدباء والنقاد، ومنهم الناقد المغربي محمد برادة، الذي يرصد الحضور القوي لتيمة الوطن في “شعر الجهاد” عنده. وقد يلجأ الدكتور المريني في كتاباته الأدبية إلى التبسيط بهدف تعميم المعرفة وجعلها في متناول جمهور الأدب الواسع، وما يشتمل عليه من الخصال التي تميزه كأديب تبقيه في ذاكرة اهتمام الأدباء والقراء في آن واحد.

وتعتبر شخصية الرجل على امتداد تاريخها حياة حافلة بالعطاء، تجمع بين ثلاثة أبعاد مختلفة، لكل منها مسؤولياتها وأخلاقها ومؤهلاتها أولها شخصية المسؤول على رأس التشريفات الملكية، وما تنطوي عليه من مهام معقدة تتطلب الانضباط والتنظيم المحكم والتدبير الاستباقي والتبصر والحذر الكامل.

وشخصية الأديب والكاتب الذي لا يفتر عن القراءة والاطلاع، للتعبير عن الرأي أو المشاركة في ندوات خاصة أو الإصغاء للذات في حوارها مع العالم الخارجي وما يضطرب فيه من خلاف وصراع وأخذ ورد.

تنضاف شخصية الباحث المؤرخ الذي جعل في صلب اهتماماته دراسة بعض مظاهر المغرب الحضارية ومكوناته الاجتماعية. وهذا التنوع في مسيرة الدكتور المريني يكشف شخصيته الغنية ذات الأبعاد المتعددة والمتنوعة، لهذا برز اسمه في التاريخ والفكر والأدب وامتزج بالطابع الإنساني الذي ميز شخصيته..

وبالمجمل، فهو نموذج للمثقف والمفكر المتواضع ورجل الدولة الذي لا تغريه مظاهر المسؤولية والرجل الذي ظل وفيا لقيمه الأخلاقية ومنتجا ومتفاعلا ومنضبطا، يستحق أن يكون موضع ثقة ملكين..

لقد اجتمعت كل الأسباب في بناء هذه الشخصية الفريدة؛ فهو تلقى تربية وتنشئة رفيعة، وتشبع بروح وطنية منذ شبابه المبكر صقلتها قراءاته ودراسته وأبحاثه الجامعية. هكذا، يقول عدد من الأصدقاء والباحثين: هو رجل دولة بامتياز جيل تربى على خدمة وطنه بصدق وإخلاص وأمانة وتعفف كبير؛ وهو ما جعل شخصيته تأخذ أبعادا متعددة. وعلى الرغم من بلوغه العقد السابع، لا يزال الدكتور عبد الحق المريني يتطلع إلى مواصلة البحث في الفكر والثقافة والأدب.

وعلى سبيل الختم، يظل الرجل الشاهد الهادئ والحكيم – من خلال مواقعه المذكورة – على مساحة فسيحة من تاريخ المغرب وأدبه. وما يلفت النظر لكل باحث أخلاق الرجل العالية التي يشهد بها كل من عايشه أو عاشره، انضباطا والتزاما في القيام بالواجب وتواضعا في المعاملة، وصدقا في الأقوال والأفعال، وعفة في اللسان واستقامة في السلوك.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 4 = 6