المغرب في رحلات برتغالية: المشاهدات والتلقي

قراءات في ثلاث رحلات دبلوماسية برتغالية

متابعة رحال الصويري

واصلت الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة سلسلة ندواتها عن بعد، باستضافة المؤرخ المغربي عثمان المنصوري المختص في تاريخ البرتغال والعلاقات المغربية البرتغالية، من خلال ترجمته لكتاب “رحلة صاحب الجلالة الملك السيد الدون فرناندو إلى المغرب سنة 1856” للدبلوماسي البرتغالي جوزي دانييل كولاصو والذي يتضمن أيضا تقريرين عن رحلتين سفاريتين للكاتب، وذلك يوم الاثنين 28 مارس 2022 ابتداء من السابعة والنصف مساء عبر تقنية التناظر المرئي عن بعد “غوغل مِيت”، ونسق أشغالها الأستاذ عبد الواحد بنعضرا، محاولة تسليط الضوء على الرحلة بين المشاهدات والكتابة والتلقي.

في مداخلة موسومة بـ “رحلة الملك البرتغالي الدون فرناندو إلى المغرب: قراءة في النص وسياقاته” أشادت الأستاذة مليكة الزاهيدي، أستاذة التاريخ، بالمجهود الكبير الذي يبذله عثمان المنصوري في ترجمة أعمال برتغالية لصيقة بالمغرب إلى العربية، ومثلت لهذا الدأب الحثيث بترجمته لأربعة مؤلفات مهمة في ظرف زمني وجيز، من بينها “الملوك المغاربة” و”التوسع البرتغالي” ثم “رحلة الملك البرتغالي الدون فرناندو إلى المغرب عام 1856”.

وبيّنت في مداخلتها أن هذا الكتاب الأخير يضم رحلة الملك البرتغالي إلى كل من طنجة وتطوان، إضافة إلى تقريرين عن رحلتين سفاريتين قام بهما محرر النص قنصل البرتغال بطنجة جوزي دانييل كولاصو، عامي 1865، و1877، حيث خصص الأولى لتوشيح السلطان محمد بن عبد الرحمان بوسام الصليب الأكبر، وفعل الأمر نفسه مع الحسن الأول بعد عشر سنوات من ذلك. ووقفت عند أهمية المسافة الزمنية الفاصلة بين الرحلات الثلاث بالنسبة للمؤرخ ودلالاتها السياقية.

وأشارت المتدخلة إلى أن الكتاب يعد من أولى الكتب، التي صدرت بالمغرب بعد إدخال المطبعة إلى طنجة أواخر القرن التاسع عشر بهدف تسهيل عمل التمثيليات الدبلوماسية الأوروبية، التي كانت تضطر للعبور إلى الضفة الأخرى قصد طبع التقارير. كما أكدت أن هذا النوع من الرحلات يفيد أيما إفادة دوائر القرار في العواصم الأوروبية وذلك خدمة لأهداف إمبريالية، وربطت صدور الرحلة بسياق تاريخي مهم تمثل في انعقاد مؤتمر مدريد، الذي ناقش فرض الحماية على المغرب.

وبينت الزاهيدي أن الملك البرتغالي الدون فرناندو جاء إلى المغرب سائحا، واستهوته الأراضي الإفريقية، وأعجب أكثر بمدينة تطوان، التي رأى فيها صورة للمدينة الموريسكية، في حين أن القنصل كولاصو، محرر النص، الذي كان على معرفة بالبلد بحكم إقامته الدائمة فيه، ركز على وصف بؤس المغاربة وهمجيتهم، وانساق في الرحلتين اللتين قام بهما وراء مشاعر التغني بالمجد البرتغالي على الأرض المغربية، في مقابل حسرته الشديدة على هزيمة معركة وادي المخازن، راثيا حين عبوره بالمكان “الملك الشهيد”.

وأشارت الزاهيدي إلى أن الكتاب يقدم معلومات مهمة عن تحولات المغرب، من قبيل انتقال الرحلة الحجازية، أو الحج، من الركاب البرية إلى الركاب البحرية، والإصلاحات التي ظل يقوم بها المخزن للجيش قصد تحديثه حتى يكون مستعدا لمواجهة مطامع القوى الأوروبية الإمبريالية المتنافسة عليه، كما تطرقت في الأخير إلى كون الرحلة لا تحمل أية قيمة أدبية وأنها اقتبست من رحلات سابقة أهمها رحلة علي باي العباسي إلى المغرب.

المداخلة الثانية كانت للأستاذة حبيبة الناصري بعنوان “أنا والمورو قراءة في كتاب رحلة صاحب الجلالة الملك السيد الدون فرناندو إلى المغرب سنة 1856″، افتتحتها بالتأكيد أنه في سنة 1856 قام الملك البرتغالي الدون فرناندو بزيارة إلى المغرب رافقه فيها عدد من الدبلوماسيين البرتغاليين المعينين في المملكة وعلى رأسهم محرر الرحلة جوزي دانييل كلاصو القنصل العام بمدينة طنجة، والتي أصدرت مطبعة أبرينس في طنجة تفاصيلها سنة 1882، معنونا كتابه: “رحلة صاحب الجلالة الملك السيد الدون فرناندو إلى المغرب. متبوعة بوصف تقديم الصليب الأكبر للبرج والسيف إلى السلطان سيدي محمد من جوزي دانييل كلاصو. مهدى إلى جمعية الجغرافية بلشبونة”.

ونوهت الأستاذة حبيبة الناصري أن الكاتب لم يقف عند سرد وقائع الرحلة الملكية ولا عند تقرير رحلتيه اللتين قام بهما لتسليم وسامي الصليب الأكبر للبرج والسيف إلى السلطانين المغربيين محمد بن عبد الرحمان ومولاي الحسن الأول باسم ملكي البرتغال في محطات زمنية متباينة، بل تجاوز ذلك وأدرج في كتابه حمولة ثقافية تستحق الوقوف عندها عن مغرب القرن التاسع عشر.

وحاولت الأستاذة حبيبة الناصري، من خلال مداخلتنا هذه، من جهة، تقريب القارئ من النسخة العربية للكتاب الذي قام بترجمته مشكورا الأستاذ عثمان المنصوري عبر قراءة مضامينه وتسليط الضوء على ما لفت انتباه المؤلف عن العادات المغربية و قام بنقلها للأخر الأوروبي، ومن جهة ثانية وانطلاقا من نصوص محررة بالبرتغالية عن الكتاب نفسه، حاولت البحث عن كيفية تلقي قارئين لهذا الكتاب؛ الأول مغربي محمد نادر في مقاله الموسوم بـ “بخصوص الرحلة الدبلوماسية للملك البرتغالي الدون فرناندو إلى المغرب” الصادر سنة 2008 أبرزت فيه مجموعة من الملاحظات النقدية على محرر الرحلة، والثاني برازيلي هو لوكاش موسوم بـ “المشي وسط الموروس تقرير عن رحلة الملك البرتغالي الدون فرناندو” بينت فيها كيف حلل صاحبها الرحلة بإدراجها ضمن الرحلات الإمبريالية التوسعية.

افتتح المؤرخ والمترجم عثمان المنصوري شهادته بالحديث عن صعوبة الترجمة، التي ترتبط لديه بسؤال اختيار العمل المترجم، وهو سؤال يتصل بالجدوى والإفادة، لذلك كان حرصه دوما على انتقاء ما يراه مهما ومثمرا من نصوص برتغالية بالنسبة للمغرب، وقد جند نفسه طوال سنوات البحث والترجمة لنقل ما أسماه كلاسيكيات الأعمال البرتغالية حول المغرب.

وأضاف المنصوري أنه يبذل قصارى ما يستطيع في مجال الترجمة من البرتغالية إلى العربية حتى يسهم في سد نقص تعجز عنه الترجمات الوسيطة عن اللغة الفرنسية. وفيما يخص كتاب “رحلة الملك البرتغالي الدون فرناندو إلى المغرب عام 1856″، الذي يضم أيضا رحلتين سفاريتين لقنصل البرتغال بطنجة جوزي كولاصو عامي 1865، و1877، فقد أشار إلى أنه رغم التباعد الزمني بين الرحلات الثلاث تبدو الأوضاع المغربية ثابتة، في حين تتغير نظرة الرحالة نفسه من رحلة إلى أخرى.

وقال عثمان المنصوري إن الرحالة، القنصل جوزي كولاصو، كان يسجل ما يراه، لذلك لا ينبغي لومه حين يتحدث عن همجية المغاربة وعن بؤسهم، لأنها معطيات كان يلتقطها من الواقع المنظور، فكما دون أشياء قبيحة عن المغرب والمغاربة لم يتردد في تسجيل أشياء إيجابية مثلما هو الحال حين تعرضه لكرم القبائل والفروسية والموسيقى والمعمار، وأبرز أن أهمية هذا النوع من المؤلفات تكمن فيما تحبل به من تفاصيل كثيرة عن حياة المغاربة لا نعثر عليها في مصادرنا الإخبارية والتاريخية وقتذاك.

ولم ينف عثمان المنصوري أن الرحالة كان يحيد عن جادة الموضوعية حينما يفتح المجال لذاتيته كي تتدخل في النص وتوجهه بمنأى عما ينطق به الواقع، وضرب مثالا لهذا النزوع الذاتي عند حديثه عن الملك البرتغالي القتيل سيباستيان، ساعيا إلى تبييض صحيفته، كما أوضح أن هذا القنصل، الذي رأى النور في طنجة وعاش فيها في كنف والده الذي كان هو الآخر قنصلا لبلاده بعاصمة البوغاز، كان يتنصل من طنجويته أثناء الكتابة وهو يتوجه إلى القارئ البرتغالي. وختم بالتنصيص على الغنى الكبير للأرشيف البرتغالي الخاص بالمغرب الذي يتطلب مجهودات كبيرة تقتضي تعاون الباحثين المغاربة المهتمين باللغة البرتغالية وبتاريخ العلاقات المغربية البرتغالية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


93 − = 88