المجلة المغربية للدراسات الإنسانية
ا
نص الكلمة(التقرير) التي تقدم بها الباحث احمد بومقاصر أمام أعضاء اللجنة العلمية الموقرة بكلية الآداب بتطوان، لمناقشة الأطروحة التي أنجزتها لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي تحت عنوان: وهي المناقشة التي انتهت بمنحي درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالطبع.
بسم الله الرحمن الرحيم
السادة الأساتذة أعضاء اللجنة العلمية الموقرة، الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يطيب لي، بعد سنوات من البحث والدراسة، أن أوجه فائق الشكر والتقدير إلى أستاذي الفاضل هاشم الريسوني، الذي أكرمني بالإشراف على هذا البحث، والذي لم يبخل علي بعلمه وتوجيهاته القيمة لإعداد هذه الأطروحة وتتبع مراحل إنجازها. كما أتقدم بخالص الشكر لأستاذي الفاضل الدكتور عبد الرحمن الفاتحي على قبوله ترأس لجنة هذه المناقشة. والشكر موصول للأستاذ الكريم الدكتور عبد المجيد بنجيلالي الذي تجشم عناء السفر لحضور ومناقشة هذا العمل المتواضع. كما أتشرف بوجود الأستاذ الفاضل الدكتور يحيى بن الوليد والدكتور يوسف الفهري من ضمن أعضاء هذه اللجنة العلمية الموقرة.
ولا يفوتني في هذا المقام الخاص الاعتراف بجميل العطاء لأستاذي الفاضل الدكتور عبد اللطيف شهبون، الذي وجهني نحو اختيار هذا الموضوع، الذي انتهى بصيغته النهائية إلى هذا العنوان: ” دون كيخوته في أثر الدارسين العرب: دراسة تاريخية وتحليلية”، وهوموضوع يعالج واحدة من أهم القضايا الأدبية والفكرية التي تشغل بال واهتمام الدارسين والنقاد العرب، وتطرح أكثر من سؤال حول وجود الرواية العربية نفسها؛ يتعلق الأمر بالحضور المحتشم لرواية “دون كيخوته” لميجيل ثربانتس في الأدب العربي، وأسباب تأخر العرب عن تلقي هذه الرواية، التي يرى فيها النقاد الغربيون الانطلاقة الحقيقية للرواية الحديثة، مما جعلهم يصنفونها من ضمن أهم الأعمال الأدبية في العالم، وواحدة من بين أفضل الأعمال السردية المكتوبة قبل أي وقت مضى. ففيها يسخر الكاتب من ظاهرة كانت شائعة آنذاك، وهي البطولة الزائفة والعدالة المموهة والحقارة الاجتماعية، والنفاق الذي رفع الدساسين والمتملقين…
كما عدّها الكثير من النقاد بداية انطلاق النوع الأدبي للرواية الحديثة، التي سيكون لها فيما بعد تأثير كبير على الأعمال الروائية الأوروبية، وواحدة من أعظم الروائع الأدبية في تاريخ الانسانية إلى جانب إلياذة هوميروس، وكوميديا دانتي الإلهية، وفاوست لجوته. وأنها نموذج عال للعمل الروائي المتقن من حيث براعة السرد والتسلسل والتشويق…
وتبعا لشهرتها، فقد تناقلتها الفنون الأخرى من تشكيلية ومسرح وسينماوغيرها..، و تُرجمت إلى أكثر من مائة وعشرين لغة. كما أنها صدرت حتى الآن في أنحاء العالم في أكثر من ألفين وثلاث مائة وخمسين طبعة، لتصبح واحدة من أكثر الكتب التي تم نشرها وترجمتها على مر التاريخ. وظلت هذه الرواية الشهيرة على مدى كل هذه السنين الطويلة مثار اهتمام النقاد والباحثين والدارسين من كل حذب وصوب…
غير أنه، وبالرغم من هذا الزخم الكبير الذي تتمتع به هذه الرواية، وهذه الشهرة الواسعة التي جابت كل الآفاق؛ حتى لا يكاد يخلو من أثرها أدب في العالم، لم يسعف الأدب العربي أن ينال هو الآخر نصيبه من هذا الأثر؛ حيث يكاد يُجمع الدارسون لأعمال ثربانتس على تأخر تلقي الأدب العربي لرواية “دون كيخوته”، معْزين ذلك إلى طبيعة المجتمع العربي الذي لم يكن ساعتها “مؤهلا” لاحتضان مثل هذا النوع الأدبي، المتميز بالتعقيد والتّشعُّب.. بل منهم من يرده إلى موقف مبدئي للأدباء العرب من مضامين هذه الرواية، التي يرونها تكيل العديد من الشتائم للعرب والمسلمين…
فما هي أسباب هذا التأخر؟ وكيف تناوله الدارسون والنقاد العرب؟ وهل فعلا كان الأدب العربي عند ظهور رواية “دون كيخوته”، خلوّاٌ من أشكال ومظاهر الحكي القصصي، الشيء الذي يفسر تأخر العرب عن ترجمة هذا النوع الأدبي؟ وما هي البدايات الأولى لهذه الترجمة؟ وما شكلها؟ بل لماذا يعتبر البعض هذا التأخر في ترجمة الرواية نقطة ضعف تسم الأدب العربي؟! ثم، ما هي الملامح التي اكتسبتها شخصية “دون كيخوته” في الأدب العربي؟ وكيف تجلّت في الرواية العربية على الخصوص؟ وما طبيعة هذا التجلي وأبعاده الأدبية والفكرية والثقافية؟ بل وما قصة رواية “دون كيخوته” نفسها؟ وما حقيقة كاتبها ” ميجيل ثربانتس؟
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا البحث، الذي جاء استجابة لمطلبين إثنين: مطلب ذاتي؛ ويتعلق بالرغبة في دراسة الأدب الإسباني، الذي نعتبر الدارسين العرب والمغاربة خاصة، مقصرين جدا في حقه، رغم القرب الجغرافي والماضي المشترك الذي يجمعنا بشبه الجزيرة الإيبيرية. وهي الرغبة التي كنت عبرت عنها في بحثنا لنيل شهادة الماستر في البحث الموسوم بـ” من أدباء المغرب في المهجر: إسبانيا نموذجا”، والذي جاء ليحرك فينا شغفا بالبحث عن الصيغة الأنسب للنفاذ إلى عمق هذا الأدب.
وأما الموضوعي، فينطلق من فرضية ترى في رواية “دون كيخوته” الأساس الذي قامت عليه الثقافة الإسبانية المعاصرة في مختلف تجلياتها الأدبية والفكرية والتاريخية.. مما جعل النقاد يصنفونها من ضمن المداخل الرئيسية للنفاذ إلى فهم الأدب الإسباني. وهوالأمر الذي دفعني إلى الاهتمام بهذه الرواية، والبحث عن أثرها في أعمال الأدباء والدارسين العرب.
كانت هذه أهم الحوافز الموضوعية والذاتية التي دفعتني إلى طرح أسئلة البحث وتعميقها والإجابة عنها. هذه الأسئلة التي يمكن إجمالها في السؤال التالي: هل قرأ العرب دون كيخوته؟ وهو سؤال محوري نعتبر الإجابة عنه إضاءة لكل الإشكالات التي طرحها البحث.
وقد جاءت هذه الدراسة في مقدمة وبابين وخاتمة. الباب الأول، ويحمل عنوان “دون كيخوته والرواية العربية”، قسمناه إلى فصلين؛ حيث يحتوي الفصل الأول على ملخص لرواية دون كيخوته، والسيرة الذاتية لكاتبها ميجيل دي ثربانتس مترجمة عن الإسبانية. وذلك بهدف تمكين القاريء من الإحاطة بمضمون الرواية وصاحبها، باعتبارهما يشكلان المرجع النصي لهذه الدراسة.
وتناولنا في الفصل الثاني الحديث عن “الرواية العربية وسؤال النشأة”، على اعتبار أن البحث في نشأة الرواية العربية وتطورها يقربنا أكثر من الإجابة على سؤال عما إذا كان ظهور الرواية العربية قد جاء فعلا متأخرا عن الرواية الغربية، التي يعدها النقاد امتدادا لـ “دون كيخوته”؛ الرواية الأولى التي أسست لظهور الرواية المعاصرة في العالم…
ومن هنا، وبناءا على هذه الفرضية التي ترى في “دون كيخوته” الانطلاقة الأولى للرواية الحديثة، يُطرَح سؤال عريض يمتد ليسائل وجود الرواية العربية نفسها، كجنس أدبي مستقل ومتفرد. لأن هناك من يرى في هذا التأخر دليلا كافيا على تأخر ظهور الرواية العربية بالمقارنة مع نظيرتها الغربية. وهذا التساؤل بالظبط هو ما سيحاول هذا الفصل مقاربته، من خلال تتبع مسار نشأة الكتابة السردية والقصصية في الأدب العربي.
أما الباب الثاني، فيتناول إشكالية “التلقي العربي لرواية دون كيخوته”. وتم توزيعه على ثلاثة فصول: الفصل الأول تناولنا فيه الحديث عن “الترجمة العربية لرواية دون كيخوته”، وهي الترجمة التي تكاد تجمع كل المصادر التاريخية على تأخرها؛ بحيث أن القاريء العربي لم يتمكن من الاضطلاع على الترجمة العربية الكاملة للرواية إلا في أواسط الستينيات من القرن الماضي، بعد الترجمة التي أنجزها الدكتور عبد الرحمن بدوي سنة 1965م. وهي الترجمة التي تم اعتمادها في هذا البحث كمرجع للعودة إليها متى كانت الحاجة إلى ذلك ضرورية.. بالرغم مما سجلناه على ترجمة بدوي من عيوب وصلت إلى حد تعريض النص الأصلي إلى الحذف والتغيير، وخاصة ما يتعلق منه بترجمة بعض المقاطع التي يراها بدوي ترمز إلى المغرب والمغاربة..!
وكان لا بد، ونحن نتحدث في هذا الفصل عن الترجمات العربية لرواية دون كيخوته، أن نشير إلى السبق المغربي في هذا المجال، ونقف على التجربة الرائدة التي قادها الكاتب المغربي التهامي الوزاني بترجمته الجزء الأول لرواية “دون كيخوته”، التي بقيت للأسف، نسيا منسيا برفوف المكتبة العامة بتطوان.
وتناولنا في الفصل الثاني الحديث عن “تجليات دون كيخوته في الأدب العربي”، والاهتمام المتزايد الذي حظيت به من قبل الدارسين والأدباء العرب، والأهمية الأدبية التي يمكن أن يفيدها الأدب العربي من خلال انفتاحه على هذه الرواية، واستلهام أحداثها ورموزها وشخصياتها، وخاصة شخصية “دون كيخوته” التي ابتدعها ثربانتس..هذا، وتحدثنا في هذا الفصل أيضا عن أهم الأجناس الأدبية العربية التي طالها هذا التأثير؛ مقدما في ذلك جردا بأهم الآراء النقدية التي تعتبر من الكتابات العربية الطلائعية التي تحدثت عن رواية دون كيخوته، ومدى الدور الذي لعبته هذه الآراء في التعريف بهذه الرواية في العالم العربي. كما تحدثنا عن الحضور الكيخوتي في الشعر العربي، مع تقديم قصائد شعرية لشعراء اختاروا شخصية دون كيخوته كرمز للتعبير عن واقع الأمة العربية وعن شجونها وأحزانها..نفس الحديث طال الرواية العربية، التي أصبحت شخصية دون كيخوته من أبرز شخصياتها الأدبية؛ حيث عمل الروائيون العرب على استلهامها ليعبروا من خلالها عن حالة الإنسان العربي الضائع بين المحاولة لتجاوز الواقع الممتد في الزمن، وبين قبول الفشل والخيبة..وهو وضع ينسحب أيضا على القصة العربية القصيرة وعلى المسرح، رغم الحضور الباهت لهذه الشخصية الدونكيخوتية في هذين الجنسين الأدبيين مقارنة بالأجناس الأخرى..
أما الفصل الثالث والأخير، والذي يحمل عنوان “من كتب دون كيخوته؟”، فتناولنا فيه الحديث عن أحد أهم القضايا الكبرى التي أثارت، وما زالت، جدلا كبيرا بين الباحثين والدارسين لأعمال ثربانتس، ألا وهي قضية المؤلِّف الحقيقي لرواية “دون كيخوته”، وعما إذا كان ميجيل ثربانتس هو مؤلف هذه الرواية أم الكاتب العربي “سيدي أحمد بن الأيلي”، الذي أقر ثربانتس نفسه في أكثر من من موضع في الرواية بنسب دون كيخوته إليه. وهو جدل امتد ليطال حياة ثربانتس نفسه، وحقيقة هذه الرواية التي حار الدارسون والمؤرخون في تفكيك طلاسمها ورموزها، محاولين في هذا الفصل تقديم قراءة جديدة لبعض مضامين الرواية، بربطها بسياقها التاريخي والجو العام الذي ساد الأندلس في ذلك العصر، مما نعتقد أنه قد ساعد على فهم الخلفيات الفكرية والدينية التي تحكمت في إنتاج “دون كيخوته”، متوسلين في ذلك بعدد من المصادر والمراجع العربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية، التي قاربت هذا الموضوع.
وكان لا بد من الإشارة إلى المتاعب والإكراهات التي واجهتني في الطريق، خاصة فيما يتعلق بقلة المصادر والمراجع المطبوعة، وكذا شح الأبحاث والدراسات التي تناولت هذا الموضوع، الشيء الذي حملني على الاستفادة من مصادر المعلومات المتاحة عبر المواقع الإلكترونية، وإن كان التردد قد تملَّكني في بداية الأمر، اعتقادا مني بأن كل ما هو على الإنترنت سطحي وزائف، ولا يليق أن يُستشهَد به في عمل بحثي أو تخصص معين!
وظل هذا التردد يراودني طويلا إلى حين أن اطلعت على مؤلَّف “دليل الباحث إلى الاقتباس والتوثيق من الإنترنت” للدكتور حمدي أبو الفتوح عطيفة، الذي أعاد إليّ الثقة بالأهمية الكبيرة للإنترنت وبإمكاناته الضخمة كمصدر للمعلومات، مؤكدا على عدم وجود أي اختلاف بين المعايير المعتمدة في انتقاء مصادر المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من معايير انتقاء مصادر المعلومات المطبوعة، إذا ما أحسن الباحث استعمالها ووُفِّق في إخضاع هذه المصادر للفحص والتقويم والتمحيص…بل يمكن القول إن هذه القفزات التكنولوجية الهائلة التي شهدتها السنوات الأخيرة في مجال وسائل الاتصال والمعلومات، سيكون لها تأثير واضح في تغيير طريقة وسلوك الباحثين في البحث عن المعلومات؛ مما سيقصِّر على الباحث تعب التنقل بين “المواقع الجغرافية”، إن صح التعبير، والارتقاء إلى عوالم مختلفة عن طريق “المواقع الإلكترونية” الفسيحة، “واجتياح زماني امتلك أدوات التخلص من روتين الذهاب والإياب ومزاحمة الآخرين بحثًا عن سرعة الوصول إلى حيز مكاني ربما كان أضيق مما تحتمله رحابة العقول”، وهو الأمر الذي لا محالة، سينعكس إيجابا على جودة البحث وقيمته.
ومن حيث الإجراءات العملية التي اتبعناها في البحث على مستوى ترجمة النصوص، ذات الصلة، إلى العربية، فقد عمدنا إلى تعريب أسماء أصحابها، وكتابتها مرفوقة بحروفها اللاتينية كما وردت في أصلها الأجنبي، على ألا يتكرر هذا “الإرفاق” أكثر من مرة واحدة؛ حيث يُكتفى فقط بذكر الإسم المُعرَّب متى تمت الإحالة عليه أكثر من مرة. هذا، دون الالتزام باعتماد أسماء الأعلام الأجنبية التي سبق إلى تعريبها، ما عدا منها الأسماء المتداولة، وذلك تفاديا للاستبدالات اللغوية التي قد تطال بنية الأسماء الأجنبية حسب هذه اللغة أوتلك…
و في سياق قراءتنا لـترجمة بدوي لرواية “دون كيخوته”، وقفنا على العديد من العيوب والتشوهات التي طالت هذه الترجمة عند مقابلتها بالنص الإسباني. وهو ما أشرنا إليه في موضعه، من خلال مقابلتنا للمقاطع العربية موضوع الترجمة، بنضرائها من المقاطع الإسبانية كما وردت في أكثر من مصدر، وذلك حتى لا نُتَّهم بالانتقائية في الإحالة على مصدر بعينه، خاصة وأن عبد الرحمن بدوي سكت عن الإفصاح عن المصدر الذي ترجم عنه نصه العربي!
إضافة إلى ذلك، وبالرغم من هذه المآخذ التي سجلناها على بدوي، فقد اعتمدنا ترجمته في الإحالة على متون الرواية وأسماء شخوصها، بما في ذلك عنوان الرواية وإسم مؤلفها. وذلك تفاديا للجدال المثار حول الكتابة العربية الصحيحة لهذه الأسماء، من جهة. ومن جهة ثانية، لكون ترجمة بدوي تعتبر الترجمة العربية الأولى الكاملة لرواية دون كيخوته، وهو ما يؤهلها في تقديرنا لأن تحتل مكانة السبق من بين الخيارات “التعريبية” المطروحة…
هذا، ويأمل البحث أن يكون قد سلط الضوء على بعض المناطق المعتمة في علاقة الأدب العربي بـرواية “دون كيخوته”. هذه العلاقة التي ظلت تراوح مكانها، وتجد لها من التفسيرات والتبريرات المتحيزة ما يجعل معها الأديب العربي يحس بـ”الغبن” من تأخره عن تلقي هذه الرواية، إسوة بباقي الآداب الإنسانية الأخرى..بينما كان من المفروض على الأديب العربي، إن لم أقل الدارس العربي، أن ينظر إلى الموضوع من زاوية مغايرة، وأن يضع الأدب العربي في سياقه التاريخي زمن ظهور رواية دون كيخوته. وكذا البحث عن الأسباب الخفية التي جعلت القائمين على طبع هذه الرواية ونشرها وترجمتها إلى عدة لغات، “يستثنون” من هذه الترجمة اللغةَ العربية! لأن فرضية أن يكون وراء نشر هذه الرواية أياد خفية تروم تحقيق مكاسب أدبية وفكرية وحضارية، احتمال جد وارد. وهذه واحدة من الإشكالات الرئيسية التي حاولنا الإجابة عليها.
وتبقى هناك أسئلة معلقة لا يزعم الباحث أنه يملك الإجابة عنها بشكل كاف، نظرا لتموقعها خارج السياق العام للإشكالية المطروحة في البحث. وأيضا لكون أغلب مصادر ومراجع هذه الأسئلة توجد بشكل أساسي باللغة الإسبانية. فمن خلال إحاطتنا بالعديد من الأبحاث والدراسات الإسبانية ذات الصلة بموضوع البحث، لاحظنا أن هناك زخما كبيرا وتنوعا في عدد العناوين التي تعالج قضايا أدبية عربية، خاصة منها ما يتعلق بالحضور العربي الإسلامي في رواية دون كيخوته. وهي ما تحتاج لدراسات أخرى مستقلة تبحث في ماهية وطبيعة هذا الحضور.
ونحن نأتي على نهاية هذا البحث، كان لابد من الإشارة إلى سؤال محوري ــ وتقليدي في نفس الوقت ــ واجهني منذ البدء، وكان لا بد من الإجابة عليه قبل الإعلان عن الشروع في أي خطوة من خطوات البحث: ما هي القيمة المضافة التي يراهن البحث على تقديمها في مجال تخصصه، لموضوع مرتبط برواية (دون كيخوته) كُتِب عنها، ولأكثر من أربعة قرون، ما لم يكتب عن أي موضوع آخر؟
فالاعتقاد السائد الذي كان لديّ، وربما لدى الكثير من الطلبة الباحثين مثلي، بأن البحث “السهل” هو ما كانت مصادره ومراجعه متوفرة وكثيرة، وأُشبِع موضوعه درسا وتأليفا. وهو اعتقاد خاطيء عندما يراهن الباحث على تقديم الجديد، وعدم إعادة إنتاج ما سبق إليه باحثون قبله.لأن الموضوع كلما تعددت أبحاثه وتراكمت الدراسات والتآليف التي أنجزت حوله كلما تضاعفت متاعب الباحث، الذي سيجد نفسه مطالبا بتجاوز ما سبقته إليه هذه الأبحاث والدراسات…
ولا أستطيع أن أزعم بأن بحث “دون كيخوته في أثر الدارسين العرب” قد حقق هذا الشرط العلمي المطلوب. لكن، في نفس الوقت، أستطيع القول أنه أجاب على أسئلة ظل الدارسون العرب لعقود ــ في حدود اطلاعي ــ يقاربونها بشكل خاطيء ومجانب للصواب؛ يتعلق الأمر بعلاقة الأدب العربي برواية دون كيخوته.
فمن بين هذه الأسئلة التي أجاب عنها البحث سؤالين مهمين؛ يتعلق الأول بأسباب تأخر ترجمة دون كيخوته إلى العربية، التي قدم البحث بشأنها فرضية ترى في هذا التأخر مسألة “مدروسة” من الجهة التي كانت تقف وراء نشر هذه الرواية. وهي جهة، بالنظر إلى الاضطهاد الذي كان يمارس يومئذ ضد اليهود والمسلمين في الأندلس، لم تكن ترى في العرب والمسلمين يومها أولوية لقراءة رواية مرتبطة بمشروع فكري شامل موجه بالدرجة الأولى إلى شعوب البلدان الغربية.
ويتعلق السؤال الثاني بميجيل دي ثربانتس، المؤلِّف الذي تنسب إليه رواية دون كيخوته. فمن خلال استقراء العديد من النصوص والكتابات التاريخية التي تشكك في نسبة دون كيخوته إلى ثربانتس، الذي تعتبره مجرد شخصية وهمية من إبداع الخيال، انتهى الباحث إلى خلاصة مركبة تقر بهذا الشك، وتعترف في نفس الوقت بالوجود الفعلي لهذه الشخصية. لكنها ليست هي الشخصية التي كتبت الرواية! فقد تم اختيارــ وبعناية كبيرة ــ هذا الإسم الذي كان له وجود فعلي في الواقع، حتى إذا بحث عنه الدارسون وجدوا له أثرا هنا أو هناك.. ومما يدعم هذا الطرح، حياة ثربانتس المطبوعة بالتجوال والترحال، وعدم الاستقرار في مكان بعينه.. وهي حيلة ذكية لعدم الظفر بالخيوط الموصلة إلى حقيقة هذه الشخصية، الأمر الذي سيجد معه الدارس سببا “مقبولا” لتبرير هذا الغموض الذي طال حياة كاتب الرواية.
وتبقى هناك خلاصات أخرى انتهى إليها البحث، ربما كان أبرزها العديد من النقائص والأخطاء التي شابت ترجمة عبد الرحمن بدوي لرواية دون كيخوته، وخاصة فيما يتعلق ببعض المقاطع والأسماء الواردة في الرواية، التي ترجمها بدوي بشكل أبعدها عن سياقها التاريخي، وجعلها تحمل معنا قدحيا عن المغرب والمغاربة! الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤل عريض عن الخلفية التي تحكمت في هذه الترجمة، التي تجعلنا مجموعة من الشواهد نشك في براءتها!!
وفي الأخير، آمل أن أكون قد وفقت في الإحاطة الشاملة بأركان هذا البحث، الذي لا ندعي فيه الكمال، متمنيا أن يكون قد سد فراغا مهما في مجال تخصصه، وأن يشكل نقطة الانطلاق للتحريض على إنجاز دراسات جديدة تثري البحث الأدبي بجامعتنا العريقة، داعيا الله أن يكون عند حسن تقدير أعضاء اللجنة العلمية، الذين كرسوا وقتا لا يستهان به من أجل قراءته وإغنائه بما سيقدمون من ملاحظات لا يستقيم البحث إلا بها. وبالله التوفيق.


قم بكتابة اول تعليق